من أجل الطيّ النهائي لملف البوليساريو: حين تكشف وثائق تندوف–طهران خريطة الإرهاب الجديدة في شمال إفريقيا

من أجل الطيّ النهائي لملف البوليساريو: حين تكشف وثائق تندوف–طهران خريطة الإرهاب الجديدة في شمال إفريقيا

 سياسي: رشيد لمسلم

في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الحسابات الجيوسياسية مع دوائر الأمن العابر للحدود، يطل الصحافي الجزائري المعارض أنور مالك بعمل استقصائي ضخم تحت عنوان:

“البوليساريو وإيران: أسرار الإرهاب من طهران إلى تندوف”

كاشفا – وفق ما يورده – شبكة من التحالفات الخفية التي تربط مخيمات تندوف بنفوذ طهران وأذرعها الأمنية، في صورة يرى أنها تسهم في إدامة التوتر في المنطقة واستهداف استقرار المغرب.

هذا الكتاب، الذي يفكك خريطة التحالفات المظلمة بين جماعات مسلحة ودوائر إيرانية وأجهزة جزائرية، يقدم – حسب مالك – حججا إضافية ودلائل جديدة تدفع نحو طي نهائي وشامل لملف البوليساريو باعتباره، وفق تعبيره، «بؤرة توتّر تستعمل خارج حدودها وتدار بمنطق الوكالة لا بمنطق القرار الوطني».

من طهران إلى تندوف: خيوط شبكة عابرة للحدود

يستند مالك في كتابه إلى وثائق يصفها بأنها غير مسبوقة، منها تقارير سورية مسرّبة ومحاضر لقاءات بين قيادات من جبهة البوليساريو ومسؤولين من النظام السوري، إضافة إلى معطيات تتعلق بتنسيق مباشر مع حزب الله، ومشاركة عناصر من الجبهة في معركة القصير عام 2012.

وهي معلومات يعتبرها الكاتب دليلا على تحول البوليساريو إلى أداة ميدانية للمشروع الإيراني في شمال إفريقيا، في وقت يبحث فيه النظام الإيراني عن منفذ جديد بعد تراجعه الإقليمي في المشرق.

وفي هذا السياق، يؤكد مالك أن المغرب كان سباقا في التحذير من هذا الاختراق، إذ قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران بعد اتهامات رسمية بوجود دعم عسكري موجه للبوليساريو عبر حزب الله.

الجزائر… من الحسابات الثورية إلى الإفلاس السياسي

يركّز مالك على البنية السياسية الجزائرية التي يعتبرها تعيش، وفق تعبيره، «مرحلة إفلاس غير مسبوق»، مشيرا إلى أن دعم الجزائر للبوليساريو فقد معناه الاستراتيجي منذ سنوات، وأنه تحول إلى إرث سياسي جامد لا تفهمه حتى النخب العسكرية التي تتولّى إدارته اليوم.

وينقل عن مسؤولين وجنرالات إلتقاهم أنهم لم يستطيعوا تقديم تبرير منطقي لاستمرار هذا الدعم المكلف، باستثناء «الرغبة في مضايقة المغرب».

كما ينقل عن أرملة الرئيس الراحل هواري بومدين قولها إن الجبهة لم تكن سوى «حجرة في حذاء الملك الراحل الحسن الثاني»، في استعارة توضّح طبيعة الصراع الذي وُلد في حقبة الحرب الباردة واستمر خارج زمنه.

وفق هذا التحليل، فإن استمرار الجزائر في حمل هذا الملف يضرّ بها أكثر مما يخدمها، خصوصاً بعد التوترات مع المغرب وإسبانيا وفرنسا، وانهيار أدوات التأثير الإقليمي.

نهاية مرحلة… وبداية فراغ استراتيجي

يرى مالك أن القرار الأممي 2797 أضعف الموقف الجزائري بشكل كبير، وأن احتمال تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية يجعل مستقبل الجبهة أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

وهو ما يدفع – وفق قراءته- إلى إمكانية إغلاق هذا الملف نهائياً، خصوصاً في ظل اتساع القناعة الدولية بأن الحل الواقعي هو دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

ويرى الكاتب أن استمرار الجبهة في الاعتماد على الدعم الخارجي، سواء من إيران أو الجزائر، يجعلها بنية لا مستقبل لها، تتآكل من الداخل وتفقد قدرتها على التأثير خارج الفضاء الإعلامي والرمزي.

من أجل الطيّ النهائي لما يسمى بعصابة البوليساريو

بالاستناد إلى هذا السرد الوثائقي والتحليل السياسي، يصل مالك إلى قناعة واضحة:

أن الزمن السياسي للجبهة قد انتهى، وأن استمرارها يهدد استقرار المنطقة بدل أن يخدم أي مشروع تحرري أو سياسي.

فمنظومة التسلّح المشبوهة، وارتهان القرار السياسي لقوى خارجية، وتحول الجبهة إلى منصة صراع إقليمي بين الجزائر وإيران من جهة والمغرب من جهة أخرى، كلها عوامل تجعل – حسب تعبيره – إغلاق هذا الملف ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار دبلوماسي.

ووفق هذا المنظور، فإن «الطيّ النهائي لما يسمى بعصابة البوليساريو» لن يكون مجرد انتصار لطرف على آخر، بل خطوة أساسية نحو استعادة الأمن في الساحل والصحراء، وتجنيب المنطقة سباقا جديدا بين جماعات عابرة للحدود ومدعومة من قوى خارجية.

مستقبل تُكتب معادلاته خارج إرث الماضي

إن النقاش الذي يفتحه هذا الكتاب يتجاوز البوليساريو نفسها، ليطرح سؤالاً أكبر:

هل يمكن للمنطقة المغاربية أن تبني استقرارها دون تفكيك بؤر التوتر التي تُستغل دولياً وإقليمياً؟

وفق قراءة مالك، الجواب مرتبط بقدرة الجزائر على مراجعة مقاربتها، وبقدرة المجتمع الدولي على ملاحقة شبكات التسلح والتمويل، وبقدرة المغرب على مواصلة بناء نموذج أمني وسياسي يجعل من الصحراء مجالاً للاندماج والاستثمار لا للصراع.

في النهاية، يبدو أن التاريخ يميل نحو إغلاق صفحة استُهلكت أكثر مما ينبغي، وأن زمن الحرب الباردة التي أنجبت البوليساريو انتهى… لكنّ زمن صناعة الاستقرار لم يبدأ بعد.

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*