التسول في المغرب: بين التسول الإلكتروني والتسول المباشر
بدر شاشا
في المغرب، كثر الحديث مؤخراً عن ظاهرة التسول التي أصبحت جزءاً من المشهد الاجتماعي اليومي، سواء في المدن الكبرى أو القرى الصغيرة.
التسول لم يعد يقتصر فقط على الشوارع والأزقة، بل امتد ليصل إلى محطات النقل، أمام المساجد، المقاهي، المطاعم، وحتى على المنصات الرقمية من خلال ما يسمى بالتسول الإلكتروني.
من الغريب والمثير للانتباه أن هناك من يملك منزلاً وأراضيً، بل وربما دخلاً مستقراً، ومع ذلك يختار التسول عن عمد، في حين تجد من يعيش في فقر حقيقي لا يلجأ أبداً إلى هذا الفعل. هذه الظاهرة تطرح العديد من التساؤلات الأخلاقية والاجتماعية: لماذا يختار البعض التسول رغم امتلاكهم لوسائل العيش؟ وما الذي يدفع الفقراء الحقيقيين إلى الصمت؟
التسول المباشر أمام المساجد، على سبيل المثال، أصبح مألوفاً. تجد شخصاً يطلب صدقة من المصلين، لكنه لا يدخل للصلاة، بل يجلس أمام المسجد ويطلب من المارين أو المصلين.
هؤلاء يبرعون في التظاهر بالحاجة، ويستغلون مشاعر الناس الطيبة. المشهد نفسه يتكرر في محطات النقل، الطرق، المقاهي، وحتى أمام المطاعم، حيث يتحول التسول إلى مهنة قائمة بذاتها.
أما التسول الإلكتروني فهو صورة جديدة وأكثر ذكاءً من التسول التقليدي.
بعض الأشخاص يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للادعاء بالفقر أو المرض أو الحاجة الماسة، وينشئون حسابات بهدف جمع التبرعات من متعاطفين في جميع أنحاء العالم.
هذه الظاهرة تثير حيرة كبيرة، خصوصاً أن البعض يستخدم مهاراته الرقمية ومصداقيته المزيفة لتحقيق مكاسب مالية، بينما هناك آخرون يعيشون في حاجة حقيقية ولا يجدون من يسمع صرختهم.
إن التسول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو انعكاس لمجموعة من المشكلات الاجتماعية والأخلاقية.
ضعف الوعي، البطالة، الفقر، الهشاشة الاجتماعية، غياب الرقابة، واستغلال مشاعر الناس كلها عوامل ساهمت في انتشار هذه الظاهرة.
كما أن بعض التسولين أصبحوا محترفين في قراءة نفسية الناس واستغلال حاجاتهم للرحمة والصدقة.
مع ذلك، هناك حل واحد يمكن أن يخفف من هذه الظاهرة: تعزيز التضامن الحقيقي من خلال برامج اجتماعية واضحة، دعم الفئات الهشة، ومكافحة التسول المزيف عبر التوعية وفرض القانون.
على الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الدينية أن يلعبوا دوراً فعالاً في توجيه المساعدات للفقراء الحقيقيين، وعدم ترك المجال لمن يستغلون عطف الناس وكرمهم.
التسول في المغرب ليس مجرد طلب للمال، بل هو مرآة لمجتمع يحتاج إلى مراجعة قيمه، ومراعاة الفوارق الاجتماعية، وتعزيز التضامن الحقيقي.
إذا أردنا أن نحد من هذه الظاهرة، علينا أن نفهم جذورها، ونعمل جميعاً على معالجتها بوعي، لا بالصدقة العابرة فقط.
