بعين واحدة
لسنا كائنات ترى الحقيقة، بل كائنات تفسر ما يصلها منها.
بقلم: عبد الهادي بريويك
ما نراه ليس العالم كما هو، بل كما تسمح به حدود وعينا، وتجاربنا السابقة، وخوفنا، ورغبتنا في اليقين.
الحقيقة لا تمر إلينا صافية؛ تمر عبر طبقات كثيفة من الذات، فتخرج إلينا مشوّهة أو ناقصة، فنمنح هذا النقص اسمًا مطمئنًا: «قناعة».
ننظر بعين واحدة لأن العين الثانية مرهقة.
العين التي تشكّ، التي تتردّد، التي ترفض الإجابات السهلة. أما العين الواحدة فمريحة؛ تمنحنا عالما ثابتا، حتى لو كان وهميا.
الفكرة التي لا تُفحص تتحول إلى عقيدة، والقناعة التي لا تُراجَع تتحول إلى قيد.
وهكذا، لا نفقد الحقيقة دفعة واحدة، بل نفقدها تدريجيا، كلما توقفنا عن السؤال.
الحقيقة ليست غائبة، لكنها ليست واحدة. هي شبكة احتمالات، وكل يقين مطلق هو اعتراف غير معلن بالخوف من التعقيد.
من يزعم امتلاك الحقيقة كاملة، لا يرى أكثر… بل يشك أقل.
بعين واحدة نحاكم الآخرين، وبعين واحدة نفسر العالم، وبعين واحدة نختزل الوجود في رواية تناسبنا.
لكن الفلسفة لم تبدأ بحثا عن الإجابات، بل وُلدت من الشك، من الاعتراف بأن الرؤية ناقصة، وأن اكتمال الحقيقة قد يكون مستحيلًا، لكن السعي إليها واجب.
في هذا العمود، لا أحاول فتح العين الثانية بالكامل، فربما لا تُفتح أبدا، لكنني أرفض الاطمئنان إلى العمى، وأؤمن أن إدراك النقص هو أول أشكال الوعي.
