المشردون في المغرب: جرح إجتماعي مفتوح وسؤال الدولة المؤجل

*المشردون في المغرب: جرح اجتماعي مفتوح وسؤال الدولة المؤجل* 

 *سياسي : رشيد لمسلم*

  في ليالي الشتاء القاسية، حين تنخفض درجات الحرارة وتخلو الشوارع من المارة، ينام آلاف المشردين في المغرب على أرصفة المدن، تحت الجسور، أو في زوايا منسية من الفضاء العام.

إنها صور اجتماعية مؤلمة لا يمكن اختزالها في مشاهد عابرة، بل هي تعبير صارخ عن فشل جماعي في حماية أبسط حقوق الإنسان: الحق في الكرامة، وفي الحياة الآمنة.

المؤلم أكثر أن المقاربة المعتمدة في التعامل مع هذه الفئة الهشة غالبا ما تظل سطحية وموضعية، تقوم على ترحيل المشردين من منطقة إلى أخرى، أو إبعادهم مؤقتا عن الفضاءات الحيوية، دون أي معالجة حقيقية لأسباب التشرد أو آثاره.

وكأن المشكلة تُحل بمجرد إزاحتها عن الأنظار.

هذا السلوك لا يعكس سياسة اجتماعية، بقدر ما يعكس غياب رؤية إنسانية شاملة.

 *التشرد ليس اختيارا

من الخطير اختزال المشردين في صور نمطية: مدمنون، منحرفون، أو رافضون للاندماج.

الواقع أكثر تعقيداو وقسوة.

فالتشرد هو غالبا نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية: الفقر، البطالة، التفكك الأسري، الأمراض النفسية غير المعالجة، الهجرة الداخلية غير المؤطرة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية. هؤلاء ليسوا خارج المجتمع، بل هم ضحاياه الصامتون.

 *الشتاء يكشف العجز

تتجلى المأساة بأبشع صورها خلال فترات البرد القارس، حين يتحول الطقس إلى تهديد مباشر للحياة.

في كل شتاء، تتكرر حالات الوفاة في الشوارع، وتُطلق نداءات استغاثة من المجتمع المدني، بينما تظل الاستجابة الرسمية محدودة، موسمية، وردة فعلية.

مبادرات الإيواء المؤقت، رغم أهميتها، لا تعالج سوى العرض، لا المرض.

 *أين الدولة؟* 

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين الحكومة من هذه المأساة الإنسانية؟

أين السياسات العمومية المندمجة التي تربط بين السكن، والصحة النفسية، والتشغيل، والحماية الاجتماعية؟

وأين تفعيل المقتضيات الدستورية التي تنص على الحق في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية؟

إن معالجة ظاهرة التشرد لا يمكن أن تتم عبر المقاربات الأمنية أو الإدارية الضيقة، بل تتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستثمارا طويل الأمد في الإنسان، وتنسيقا فعليا بين الدولة والجماعات الترابية والمجتمع المدني.

 *من الإحسان إلى الحق

لقد آن الأوان للانتقال من منطق الإحسان الموسمي إلى منطق الحقوق.

فالمشرد ليس حالة خيرية، بل مواطن كامل الحقوق.

نحتاج إلى مراكز إيواء دائمة تحفظ الكرامة، وإلى برامج إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني، وإلى تتبع صحي ونفسي جاد، لا إلى تسريح ليلي في العراء.

إن طريقة تعاملنا مع أضعف الفئات هي المعيار الحقيقي لتحضر أي مجتمع.

والمغرب، وهو يرفع شعارات التنمية والعدالة الاجتماعية، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مواجهة هذا الجرح المفتوح بجرأة ومسؤولية.

فالتاريخ لا يرحم، والبرد لا ينتظر، وكرامة الإنسان لا تقبل التأجيل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*