حين يصبح الجوع برنامجا سياسيا

*زلة قلم* 

 *حين يصبح الجوع برنامجا سياسيا* 

 *بقلم: عبدالهادي بريويك* 

 

في قلب الغابة، حيث لا تدار الأمور بالعدل بل بالحيلة، بدأت القصة بمشهد بدا بسيطا:

قردة تراقب، وثعلب يجمع الموز.

لم تضحك القردة لأن الثعلب يسرق، فالسرقة في الغابة ليست جريمة، بل مهارة. ضحكت لأنها فهمت مبكرا أن القضية لا تتعلق بموزة ولا حتى بمخزن، بل بمن سيتحكم في رواية الجوع حين يأتي.

كان الثعلب يتحرك بخفة من تمرن طويلا على الموائد السياسية؛ يجمع الموز حبة حبة،

يخزنه، يصنفه، يعد الفاسد قبل الصالح،ويكتب في رأسه خطابا ليوم قادم: يوم سيقف أمام القردة متحدثا عن الإصلاح،

عن النجاعة، وعن ضرورة التضحية المؤقتة.

وكان يجهل — كعادة من يثق بدهائه — أنه لا يفعل سوى تنفيذ خطة لم يضعها.

 القردة، التي خبرت المواسم، تركته يعمل. فهي تعلم أن السياسة لا تُدار بالمنع، بل بترك الخصم يبالغ في الثقة.

أعدت له متكأً وابتسامة،

فالسلطة — كما تعرف —

لا تمسك بالعصا فقط،بل بالوسادة أيضًا. غير بعيد، خلف شجرة عجوز شهدت أكثر من خيانة، وقف الحمار.

لم يكن في قلب الحدث، لكنه كان في قلب الفهم. استمع أكثر مما تكلم، ورأى أكثر مما أظهر.

أدرك أن الصراع ليس بين القردة والثعلب، بل حول من سيدفع ثمنه.

قال في نفسه: “إن اقتتلوا على الموز، تُركتُ للجوع. وإن تصالحوا، قيل إن الأزمة عالمية .” وهنا، قرر أن يلعب لعبته. لم يصرخ، لم يهدد، بل بدأ يهمس.

نقل للغابة أن الثعلب يعمل ليلا ونهارا من أجل مصلحتها.

ثم همس للقردة أن الثعلب يخطط للاستيلاء على الشجرة الكبرى.

وفي كل مرة، كان صوته يبدو عقلانيا، هادئا،

كأنه صحفي محايد.

لم يكن يهمه من يصدق، بل أن ينشغل الجميع.

فحين تنشغل الغابة بالمؤامرات،

يبقى العلف بعيدا عن الأسئلة.

جاء موسم الجفاف.

اشتد الجوع، وتحول الصبر إلى خطاب رسمي. دعت القردة إلى مفاوضات عاجلة، دخل الثعلب واثقًا، يتحدث بلغة الأرقام،

بالخطط الخماسية، وبجداول لا تشبع أحدا. صفق البعض، شكك البعض، أما الحمار، فبقي صامتا… فالصمت، حين يُتقن،

يصبح أذكى المواقف.

وقبل إعلان النتائج، اكتُشف أن نصف الموز قد فسد، والنصف الآخر أكلته السوسة.والثعلب نال المنصب، لكن بلا مخزون، وبلا نفوذ حقيقي. أما القردة، فألقت خطابا عن الحكمة المتأخرة.

والحمار؟

خرج من الغابة ممتلئ البطن،

يجر عربته ببطء، مرددا كمن يلخص درسا قاسيا: “في الغابة،

لا يفوز الأذكى، ولا الأقوى،

بل من يعرف متى يتكلم، ومتى يبرّر، ومتى يبيع الصمت على أنه عقل.”

 

الرباط – في اللحظات الأخيرة من سنة 2025

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*