الهجرة في قلب الصراع السياسي الإسباني: أكثر من نصف مليون شخص رهائن للتجاذبات.
كتبها: د، مشيج القرقري
دفع الاستقطاب الحاد بين اليمين واليسار المتطرفين في إسبانيا الى قرب الشروع في تسوية الوضعية القانونية لأكثر من نصف مليون مهاجر يوجدون في وضعية غير نظامية، و أوجد مخرجا لهذا الملف الإنساني والاجتماعي، الذي يجد نفسه رهينة للتجاذبات الحزبية والحسابات السياسية الضيقة.
لم يكن إعلان رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عن فتح الباب أمام تسوية قانونية واسعة لهؤلاء المهاجرين ليمر دون البحث في الدوافع الواقعية والسياسية الكامنة وراءه، خاصة أن الشروط المقترحة جاءت مبسطة، ولا تتجاوز إثبات خمسة أشهر من التواجد فوق التراب الإسباني.
منذ بداية الولاية الحكومية الحالية، دخل الحزب الانفصالي الكتالاني اليميني Junts في مفاوضات شاقة مع الحزب الاشتراكي خلال مرحلة تشكيل الحكومة، واشترط نقل عدد من الاختصاصات من الحكومة المركزية إلى حكومة كتالونيا (La Generalitat)، وعلى رأسها ملف الهجرة، وهو من الاختصاصات السيادية المحفوظة دستوريا للدولة المركزية، ولا يمكن نقلها إلا عبر قانون يُصوت عليه في البرلمان.
وقد شملت الاختصاصات المقترح نقلها، محورين:
1.تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين في ما يخص الإقامة والعمل.
2.المراقبة المشتركة للحدود بين الحكومة المركزية وشرطة كتالونيا (Mossos d’Esquadra).
غير أن هذا الاتفاق اصطدم برفض برلماني واضح ( شتنبر 2025)، حيث سقط مشروع القانون بفارق ضئيل (177 صوتا ضد 173)، بعدما اعتبره الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (vox) قانونا غير دستوري و يقوض مبدأ إسبانيا واحدة و موحدة، بينما وصفه حزب بوديموس بأنه قانون عنصري، ورأى فيه محاولة من Junts لمنافسة اليمين المتطرف الكتالاني و الرغبة في تقاسم أصوات ناخبيه.
بعد هذا الرفض، دخلت الحكومة مرحلة مفاوضات جانبية جديدة، خاصة مع حزب بوديموس Podemos، في سياق سياسي يدرك فيه الجميع أن السياسة هي فن استثمار اللحظة المناسبة لتحقيق المكاسب وتسجيل النقاط وفرض البرامج الانتخابية.
في هذا الإطار، نجح بوديموس في مقايضة موقفه…. القبول بالتصويت لصالح نقل اختصاصات الهجرة إلى حكومة كتالونيا، مقابل اعتماد تسوية قانونية شاملة ومبسطة لأكثر من نصف مليون مهاجر، على أن تتم بقرار حكومي مباشر، كما يتيح ذلك الإطار القانوني، تفاديا لتصويت برلماني صعب أو شبه مستحيل.
وبالنسبة لبوديموس، فإن هذه التسوية تنسجم مع مرجعيته ومبادئه، إذ يعتبرها ضخا لدماء جديدة داخل النسيج المجتمعي، المدني و العمالي، وتعزيزا للحركات الاجتماعية والنقابية والمدنية القريبة منه.
أما الحزب الاشتراكي، فقد حقق من خلال هذه العملية هدفين استراتيجيين:
أولاً، الوفاء بالتزامه السياسي تجاه Junts في ما يخص ملف الهجرة.
وثانيا، إعادة فتح قنوات التقارب مع بوديموس، في ظل صعوده اللافت في استطلاعات الرأي، مقابل التراجع شبه الكامل لغريمه اليساري سومار (Sumar)، الذي فشل في ملء الفراغ على يسار الحزب الاشتراكي.
في المحصلة، ينجح بيدرو سانشيز في إدارة التوازنات المعقدة داخل المشهد السياسي الإسباني، ويؤمن استمرارية حكومته إلى حدود نهاية الولاية التشريعية بشكل شبه مضمون، في انتظار ما ستفرزه الانتخابات المقبلة من تحولات وإعادة ترتيب للأوراق.
