سوريا اليوم: إشكاليات الحكم وبناء العقد الاجتماعي
كتبتها: ليلى موسى
رغم مرور أربعة عشر شهراً على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال المواطن السوري يعيش، عمليًا، في الأجواء والظروف ذاتها التي اختبرها طوال أربعة عشر عامًا من الحرب والانهيار.
تدهور اقتصادي مستمر، وفقدان متزايد للشعور بالأمن، مع تصاعد ملحوظ في حوادث القتل والنهب والسرقة والبلطجة، وانتشار الفساد، وتنامي الاحتجاجات الفئوية والمناطقية، إلى جانب انسداد أفق الحل السياسي على مستوى البلاد، واستمرار الاحتقان – وأحيانًا التصعيد – في السويداء والساحل وشمال شرق سوريا.
كان السوريون يأملون أن يؤسس سقوط نظام الأسد لفجر جديد يُعاد فيه بناء الدولة على أسس مختلفة، إلا أن السلطة الجديدة تعمّدت، عن قصد، إعادة إنتاج الأخطاء والمفاهيم القديمة التي كان يعتمدها النظام السابق، وعلى رأسها الخلط غير البريء بين مفهوم الدولة بوصفها وطنًا جامعًا ومؤسسات محايدة، وبين السلطة أو الحكومة الجالسة على سدة الحكم.
هذا الخلط يهدف إلى تبرير إجراءات الحكومة وسلوكياتها باسم “الحفاظ على الدولة”، ما سهّل على السلطة الحالية ممارسة سياسات قمعية بذريعة حماية الدولة، وشيطنة المختلفين في الفكر والطرح، ووصمهم بـ“خونة الوطن”، رغم أن نقدهم موجّه إلى أداء السلطة، لا إلى كيان الوطن ذاته.
وبعد مضي هذه الأشهر منذ الثامن من ديسمبر 2024، لا تزال آليات الحوار الوطني الحقيقي غائبة عن المشهد السوري الجديد, فما سُمّي بـ“مؤتمر الحوار الوطني” عُقد في غياب ممثلي المكونات الرئيسية من كرد ودروز وعلويين ومسيحيين، في حين شكّلت الحكومة الانتقالية دائرة سياسية ضيقة بلون واحد وصبغة واحدة، وأحاطت نفسها بنخبة تنطق باسمها وتعكس ذات الفكر والتوجه.
هذا الانغلاق السياسي عمّق أزمة الثقة لدى المكونات التي وجدت نفسها بلا ضمانات حقيقية، ومهمَّشة في صناعة القرار، رغم النداءات الدولية المتكررة بضرورة الشراكة الشاملة وحماية حقوق جميع السوريين, ومع إصرار السلطة على مركزيتها وعدم الاستجابة لمطالب توسيع المشاركة، تعززت الهوة بين المركز والأطراف.
في هذا السياق، شكّل الإعلان عن توقيع اتفاق بين السلطة في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بارقة أمل لدى كثير من السوريين، باعتباره خطوة إيجابية، في حال التزمت الحكومة بتنفيذ بنوده، قياسًا باتفاقات سابقة جرى الالتفاف أو الانقلاب عليها.
ويأمل كثيرون أن يمهّد هذا الاتفاق لحلول حقيقية للمشكلات القائمة، وأن يفتح الباب أمام قنوات حوار مماثلة مع بقية المكونات، ليكون نقطة انطلاق لحوار وطني جامع تشارك فيه القوى السياسية والمجتمعية المختلفة، بهدف المساهمة في بناء الدولة الجديدة.
لكن المخاوف لا تزال قائمة، لا سيما عند النظر إلى تجربة العراق بعد سقوط نظام البعث، وخصوصًا قرار حل الجيش العراقي وتسريح عشرات الآلاف من الجنود، ما أفسح المجال لظهور قوى موازية من الميليشيات والمسلحين، الذين وجدوا أنفسهم خارج المعادلة، بلا عمل ودون حقوق، فانضمّ كثير منهم لاحقًا إلى تنظيمات متطرفة، سواء بدافع الانتقام، أو نتيجة استغلال مظلومياتهم بشكل ممنهج من قبل تلك التنظيمات أو من قبل قوى ودول ذات أطماع خاصة.
إن إعادة بناء الهياكل الأمنية والعسكرية والإدارية والفنية بسرعة، ومن دون خطة واضحة للحفاظ على الخبرات، أدّت إلى فراغ مؤسساتي كارثي واليوم، يخشى السوريون من تكرار السيناريو نفسه إذا لم تُدار عملية إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية بحكمة وتدرّج، وبعيدًا عن البعد الأيديولوجي المسيطر حاليًا، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بوضوح في احتجاجات المعلمين والموظفين، واستمرار احتجاز العسكريين السابقين في الساحل.
لقد أقرّ الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس 2025 فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، تنتهي بإقرار دستور دائم وإجراء انتخابات عامة,غير أن التجربة أثبتت أن ربط الانتقال الطويل بإقرار الدستور يخدم عمليًا حالة عدم الاستقرار (استقرار هش)، ويطيل أمد السيولة والمراوحة السياسية حتى عام 2030.
وفي ضوء حالة الجمود السياسي الراهنة، قد يكون الحل في سلوك مسار معاكس، يتمثّل في صياغة دستورية مبكرة بمشاركة جميع المكونات، تليها انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة دولية, فالمسار الدستوري يجب أن يسبق العملية الانتخابية، لأن الانتخابات من دون إطار دستوري واضح تعني إعادة إنتاج أزمة الشرعية.
اقتصاديًا، حظي الحديث عن الاستثمارات بخطاب إعلامي واسع وحماس سياسي مبالغ فيه، لكن الواقع مختلف تمامًا, فمن هي الجهة التي ستغامر باستثمار حقيقي في بلد لا يزال منقسمًا سياسيًا وأمنيًا، إضافة إلى أن العقوبات المفروضة على سوريا جرى تعليقها مؤقتًا لمدة ستة أشهر، لا رفعها بالكامل, وبحسب خبراء الاقتصاد، فإن مذكرات التفاهم الموقّعة لا تعني بالضرورة تدفق الأموال، وقد تبقى حبرًا على ورق ما لم تتحول إلى مشاريع ملموسة على الأرض.
فالمستثمر، أياً كانت جنسيته أو طبيعة نشاطه، يبحث عن بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، ومؤسسات موثوقة، بعيدة عن الفساد والعقوبات والقيود البيروقراطية، إضافة إلى بنية تحتية مهيأة لا متدهورة، لأن ترديها يجعل العوائد الاستثمارية بطيئة ومحفوفة بالمخاطر.
من هنا، فإن الحل المنطقي في سوريا يجب أن يبدأ بمشاركة الجميع، لضمان استدامة أي ترتيبات سياسية مستقبلية, فلا يمكن بناء دولة حديثة من دون عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، ونظام حكم يراعي خصائص المجتمع السوري وتنوّعه، ويأخذ معطيات ما بعد عام 2011 بعين الاعتبار.
إن بناء جمهورية مدنية تعددية، قائمة على اللامركزية وتوزيع عادل للثروة والسلطة، قد يشكّل المدخل الأكثر واقعية للاستقرار, فاللامركزية تمنح المكونات حق إدارة شؤون مناطقها، وتحفظ خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، من دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها، وتسهم في معالجة مخاوف عدم الثقة بين الأطراف والمركز، ولا سيما بعد ما شهدته بعض المكونات من انتهاكات وإبادات وحملات تحريض ممنهجة.
ومن البديهي أن بناء الثقة يبدأ بإثبات التزام الحكومة الانتقالية بالشراكة الشاملة، لأن التغيير لا يمكن أن يُفرض وفق رؤية جهة واحدة، بل عبر توافق وطني واسع يشمل جميع المكونات والتيارات المعتدلة.
وبناءً على ما سبق، فإن الخروج من المأزق يتطلّب إطلاق حوار وطني شامل وعاجل، لتشكيل لجنة دستورية تمهيدًا لصياغة دستور دائم، مع الالتزام بجدول زمني واضح للاستفتاء والانتخابات، وإعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية تدريجيًا على أسس مهنية ووطنية، مع دمج القوى المحلية وتفكيك العناصر الإرهابية الأجنبية.
كما يتطلّب الأمر تعزيز استقلال القضاء ومحاربة الفساد، لضمان دولة القانون وحماية الحقوق المدنية والثقافية لجميع السوريين، وإقرار اللامركزية السياسية بصلاحيات حقيقية للأقاليم، لتخفيف الاحتقان الطائفي والجغرافي، وإصلاح الاقتصاد وتوحيد السياسات المالية والنقدية، مع منح حوافز استثمارية شفافة تعيد جذب رأس المال الوطني والأجنبي، وضمان تمثيل المكونات في البرلمان والحكم المحلي، وتعزيز آليات مشاركتها السياسية.
إن الوصول إلى النتائج المرجوّة يتطلّب أيضًا إجراء محاكمات عادلة لكل من ارتكب جرائم بحق أي مكوّن، وتقديم التعويضات للضحايا، لضمان العدالة ومنع الإفلات من العقاب، وفتح المجال أمام المجتمع المدني والإعلام لمراقبة أداء الحكومة، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
كل هذه الخطوات يجب أن تتكامل ضمن رؤية وطنية شاملة، بعيدة عن الحسابات الضيقة, فلن تنجح سوريا من دون التخلي عن الإقصاء، وتبنّي ثقافة التوافق، لأن المواطنة المتساوية وتوزيع السلطة بشكل عادل داخل إطار الدولة هما السبيل الوحيد لإعادة بناء الثقة بين السوريين.
وفي ظل الأزمات المتراكمة، يبقى الطريق الأكثر واقعية للخروج من المأزق هو تشكيل حكومة انتقالية تفاوضية تقود إلى دستور جديد وانتخابات حرة بإشراف دولي، بدل إطالة أمد المرحلة الانتقالية إلى ما لا نهاية، لأن تحويل الوعود إلى واقع يتطلّب إرادة سياسية حقيقية، وإلا ستبقى البلاد عالقة في دوامة عدم الاستقرار.
