حين تصبح السماء إنجازا حكوميا!

فنجان بدون سكر:

حين تصبح السماء إنجازا حكوميا!

بقلم: عبد الهادي بريويك

في بلدٍ أنهكته الوعود، وابتلعه خطاب الإنجازات الوهمية، خرج علينا وزير من حكومتنا بتصريح يكاد يدخلنا كتب الجغرافيا من باب “الإنجازات الحكومية”.

لم يبق إلا أن نُفاجأ يوما ببلاغ رسمي يؤكد أن الحكومة هي التي تضغط زر المطر، وتُصدر أوامرها للغيوم كي تتكرم علينا ببعض القطرات!

نعم، هكذا ببساطة… الأمطار التي تهطل من السماء تحولت فجأة إلى رصيد سياسي. وكأن دورة المياه في الطبيعة أصبحت تابعة لمديرية مركزية في الرباط، وكأن الغيوم لم تعد تتحرك بقوانين الضغط الجوي، بل بمحاضر اجتماعات المجلس الحكومي.

أي منطق هذا الذي يجعل من تساقطات مطرية “حصيلة إيجابية”؟

هل أصبحت السماء وزارة ملحقة بوزارة التجهيز؟

وهل سنرى قريبا لافتات تقول: “تم إنجاز منخفض جوي بتمويل عمومي”؟

المفارقة أن المواطن لا يطلب المستحيل.

لا يطالب بالتحكم في الرياح، ولا بجدولة الأمطار حسب البلاغات الصحفية. ما يريده فقط هو تدبير عقلاني للماء، بنية تحتية تصمد أمام أول زخة، وسياسات استباقية لا تكتشف الأزمة بعد وقوعها.

لكن يبدو أن منطق الإنجاز عند البعض لا يميّز بين ما صنعته الأيدي وما صنعته السماء. فحين تعجز السياسات عن تقديم نتائج ملموسة، يصبح الطقس حليفًا دعائيا. وحين يقل المنجز، يكبر الخطاب.

المشكلة ليست في المطر… بل في عقلية “نسبت كل شيء إلى الحكومة”.

فإذا أمطرت، فهو نجاح سياسي.

وإذا أشرقت الشمس، فذلك دليل على استقرار مناخ الاستثمار! أما إذا جفت الأرض، فربما هي مؤامرة مناخية خارجية.

الخطاب السياسي الجاد لا يتكئ على الغيوم، بل على الأرقام الواقعية، وعلى الشفافية، وعلى الاعتراف بالتحديات قبل نسب الفضل. لأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بكمية الأمطار، بل بمدى جاهزية البلاد لاستثمارها.

في النهاية، لا أحد يُنكر أن المطر نعمة. لكن النعمة الإلهية ليست برنامجا حكوميا.

والسماء، إلى إشعار آخر، ما زالت خارج التعديل الحكومي.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*