*فنجان بدون سكر* :
*القفة الرمضانية : للصورة ثمن آخر*
*بقلم عبدالهادي بريويك*
في كل عام، ومع إشراقة شهر الرحمة، تتجدد في المجتمع مظاهر التضامن والتكافل، وتوزع القفف الرمضانية على الأسر المعوزة في المدن والقرى.
مبادرات تعكس روح الإحسان وقيما متجذرة في ثقافتنا الوطنية والدينية، وتؤكد أن التراحم يظل أحد أعمدة البناء الاجتماعي.
غير أن مشهدا موازيا بات يفرض نفسه بإلحاح: عدسات كاميرات تترصد لحظة تسلّم المساعدة، وصور تنشر على عجل، توثق الفقر أكثر مما توثق التضامن.
هنا لا تكمن الإشكالية في القفة ذاتها، ولا في مبدأ التوثيق، بل في الكيفية التي يدار بها هذا الفعل الإنساني.
عندما يطلب من مواطن أنهكته الحاجة أن يقف أمام الكاميرا لالتقاط صورة توثق لحظة ضعفه، يتحول السؤال من مجرد “تغطية إعلامية” إلى مساءلة أخلاقية عميقة: هل الهدف إبراز قيمة التضامن، أم تثبيت صورة العوز في الذاكرة الرقمية؟ وهل يعقل أن تختزل الكرامة الإنسانية في لقطة عابرة قابلة للمشاركة والتداول؟
إن فلسفة الدولة الاجتماعية، كما تؤكدها التوجيهات الرسمية في أكثر من مناسبة، تقوم على صون الكرامة قبل كل اعتبار.
فالمساعدة حق اجتماعي تؤطره روح المواطنة والتكافل، وليست منة تستعرض أمام العدسات.
والفقير ليس مادة إعلامية، ولا عنوانا لصورة موسمية، بل مواطن كامل الحقوق، له من الكرامة ما يجعل ستر حاجته أولى من نشرها.
إن تحويل لحظة العطاء إلى مشهد دعائي يفرغ المبادرة من بعدها الإنساني، ويضع المستفيد في موقف حرج قد يلازمه اجتماعيا ونفسيا.
فالتضامن الحقيقي لا يقاس بعدد الصور المنشورة، ولا بعدد الإعجابات والمشاركات، بل بمدى الأثر الذي يحدثه في حياة الناس.
ومن حق المؤسسات، بطبيعة الحال، أن تطلع الرأي العام على جهودها الاجتماعية، لكن لذلك أساليب أكثر احتراما ومهنية: تقارير رقمية دقيقة، معطيات إجمالية شفافة، وصور رمزية لا تكشف الوجوه ولا تفضح البيوت.
فالإخبار لا يعني التشهير، والتوثيق لا يبرر المساس بالخصوصية.
يبقى شهر رمضان فرصة سنوية لمراجعة الذات، أفرادا ومؤسسات.
فرصة للتمييز بين الإحسان الذي يرفع الإنسان، وذلك الذي قد يحرجه دون قصد.
بين العمل الاجتماعي بوصفه واجبا أخلاقيا، والعمل الاجتماعي كعرض إعلامي عابر.
القفة الرمضانية ستظل رمزا نبيلا للتكافل، لكن نبلها مرهون بطريقة تقديمها.
أما كرامة المحتاج، فهي خط أحمر لا يقبل التأويل. فالأوطان لا تقاس فقط بما تقدمه لمواطنيها، بل بكيفية تقديمه، وبمدى احترامها لإنسانيتهم قبل كل شيء.
