المغرب في قلب المعادلات الإقليمية… والجزائر في عزلة متزايدة أمام تحولات الشرق الأوسط
سياسي: رشيد لمسلم
مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط على خلفية المواجهة المتفاقمة مع إيران، تدخل المنطقة مرحلة إعادة تشكيل عميقة للتحالفات والتوازنات السياسية والأمنية.
هذه اللحظة المفصلية لا تكشف فقط عن طبيعة الاصطفافات الإقليمية، بل تفضح أيضا هشاشة بعض الأنظمة التي وجدت نفسها خارج دينامية التحالفات الفاعلة.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل دبلوماسي مندمج في منظومة الاستقرار العربي، في مقابل تعمق عزلة النظام الجزائري الذي يبدو اليوم على هامش التحولات الكبرى التي تعيد رسم خريطة المنطقة.
لقد نجحت الرباط خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ شراكة استراتيجية متينة مع دول الخليج العربي، قائمة على الثقة السياسية والتنسيق الأمني والاقتصادي.
هذه العلاقة لم تكن مجرد تحالف ظرفي، بل تعبير عن تقارب استراتيجي في الرؤية تجاه التحديات الإقليمية، وفي مقدمتها قضايا الأمن الجماعي ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
ومع اشتداد الصراع في الشرق الأوسط، يتأكد مرة أخرى أن المغرب جزء من منظومة عربية متماسكة تسعى إلى حماية الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون بين دولها.
ويعكس هذا التماسك المغربي الخليجي إدراكا مشتركا لخطورة المرحلة، حيث تتطلب التحديات الراهنة دولا قادرة على بناء تحالفات واقعية تقوم على المصالح المشتركة لا على الشعارات الإيديولوجية.
فالدبلوماسية المغربية، بقيادة رؤية ملكية استراتيجية واضحة، اختارت منذ سنوات الانخراط في شبكة واسعة من الشراكات الدولية، مما منحها هامش حركة واسعة ومكانة معتبرة داخل المعادلات الإقليمية.
في المقابل، تبدو الجزائر اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى.
فالنظام الجزائري، الذي ظل لسنوات يراهن على خطاب سياسي تقليدي يقوم على المواجهة والشعارات الثورية، يجد نفسه اليوم خارج أغلب دوائر التأثير في القضايا العربية الكبرى.
فبينما تتحرك العواصم العربية لبناء تنسيقات أمنية وسياسية في مواجهة التحديات المتصاعدة، تكتفي الجزائر بخطاب سياسي متصلب يفتقر إلى القدرة على التكيف مع التحولات الجيو- سياسية المتسارعة.
لقد أدت سياسات التصعيد الدبلوماسي والانغلاق السياسي التي انتهجتها القيادة الجزائرية إلى تراجع واضح في حضورها الإقليمي.
فبدلا من أن تكون طرفا فاعلا في النقاشات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة، تحولت إلى مراقب بعيد عن مراكز القرار والتأثير.
ويبدو أن الرهان المستمر على خطاب المواجهة لم يعد قادرا على إخفاء حقيقة أن الجزائر تعاني اليوم من عزلة دبلوماسية متنامية داخل محيطها العربي.
وفي الوقت الذي يتعزز فيه التنسيق بين المغرب ودول الخليج ضمن رؤية مشتركة للاستقرار الإقليمي، يواصل المغرب ترسيخ صورته كدولة معتدلة وقادرة على لعب أدوار بناءة في الأزمات الدولية.
هذا الموقع لم يأت صدفة، بل هو نتيجة مسار طويل من الدبلوماسية الهادئة والعمل الاستراتيجي الذي جعل من الرباط شريكا موثوقا لدى العديد من القوى الإقليمية والدولية.
إن التحولات الجارية في الشرق الأوسط لا تعيد فقط رسم موازين القوى، بل تكشف أيضا عن الدول القادرة على الاندماج في التحالفات الجديدة وتلك التي تظل أسيرة حسابات ضيقة.
وفي هذا السياق، يتأكد مرة أخرى أن المغرب اختار موقع الفاعل داخل منظومة الاستقرار العربي، بينما يجد النظام الجزائري نفسه أكثر فأكثر في موقع العزلة، بعيدا عن مراكز التأثير في مرحلة تشهد واحدة من أعقد التحولات في تاريخ المنطقة الحديث.
