“شيوخ ومقدمو” الإدارة المغربية.. بين مطرقة الكفاءة وسندان السن: هل تنصفهم الشواهد العليا؟
بقلم: الدكتور سدي علي ماءالعينين, أكادير, ابريل,2026
في عمق الإدارة الترابية المغربية، يتحركون كحلقة وصل لا غنى عنها بين المؤسسات والمواطن؛ هم “أعوان السلطة” الذين يعرفون تفاصيل الأزقة وخبايا الأحياء.
لكن خلف هذه الصورة النمطية التي قد تتبادر للأذهان، تبرز اليوم شريحة تعيش “غصة” حقيقية وإقصاءً صامتاً.
إنهم جيل جديد من الأعوان، حاملو الإجازة والماستر الذين دخلوا ردهات الإدارة في سن مبكرة، وأفنوا زهرة شبابهم في خدمة المرفق العام، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام جدار “السن” الذي يمنعهم من ترقية مستحقة، ويحول طموحهم المشروع إلى رماد.
هذا التحول في بنية أعوان السلطة لم يعد خافياً على أحد، فقد انتقل عون السلطة من مجرد “عين” للإدارة إلى إطار إداري متكامل الأركان.
فداخل المكاتب والملحقات الإدارية، تجد “مقدماً” أو “شيخاً” بمرتبة باحث في القانون أو الاقتصاد، يحرر التقارير بدقة أكاديمية ويدير الملفات المعقدة بمهنية عالية.
هؤلاء لم يكتفوا بالمهام الميدانية، بل طوروا مهاراتهم العلمية أثناء الخدمة، طامحين في تسلق السلم الإداري نحو رتبة “خليفة قائد”، معتبرين أن كفاءتهم هي تذكرتهم الطبيعية نحو التدرج الوظيفي.
غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع قانوني مر، يمثله سقف الأربعين سنة كشرط للمشاركة في مباريات الترقية لولوج سلك رجال السلطة.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ إذ يطرح المتضررون سؤالاً يملؤه العتاب: “ما ذنبنا إن كنا قد استجبنا لنداء الواجب شباباً وقضينا عقوداً في خدمة الإدارة، لنجد أن هذه الأقدمية ذاتها أصبحت وبالاً علينا؟”.
إن إقصاء عون سلطة تجاوز الأربعين، رغم توفره على “الماستر” والخبرة الميدانية، يعد من الناحية المهنية هدراً لذكاء مؤسساتي جاهز، ففي هذا السن يصل الموظف إلى ذروة نضجه وحكمته، وهي خصال جوهرية في مهنة تتطلب الرزانة والقدرة على تدبير الأزمات.
إن استمرار هذا الوضع يخلق نوعاً من “الإحباط الوظيفي” العميق، حيث يشعر هؤلاء الأطر بأن مسارهم المهني قد وصل إلى “طريق مسدود” لا لسبب إلا لمرور سنوات في العطاء.
لذا، تتبلور اليوم مطالب ملحة بضرورة إعادة النظر في المساطر المنظمة، عبر إقرار استثناءات ترفع سقف السن لفائدة الأعوان الممارسين، أو اعتماد “كوطا” تثمن الرأسمال البشري الداخلي.
فالهدف ليس مجرد منح امتياز، بل هو إنصاف لفئة خبرت الإدارة من الداخل، وضمان لعدم ضياع كفاءات تراكمت عبر السنين، في انتظار التفاتة تفتح باب الأمل أمام “جنود الخفاء” الذين منعهم قطار السن من نيل حقهم في الارتقاء.
إن ملف أعوان السلطة حاملي الشواهد العليا لم يعد مجرد مطلب فئوي، بل أصبح مرآة لمدى قدرة الإدارة على تحديث نفسها والاعتراف بكفاءات أبنائها.
فهل تتدخل الجهات الوصية لإنصاف هؤلاء، أم سيظل “السن” سيفاً يسلط على رقاب طموحاتهم ويحرم الدولة من خبرات نضجت على نيران التجربة؟
