مهبول أنا غادي بالصليب أنا…

فنجان بدون سكر :

مهبول أنا غادي بالصليب أنا

 *بقلم عبدالهادي بريويك* 

أثار وزير الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خلال زيارة رسمية إلى اليونان، جدلا واسعا بعدما قام بإهداء صليب مصنوع من خشب العرعار بمدينة الصويرة إلى شخصيات مسيحية يونانية، في خطوة اعتبرها كثير من المغاربة غير موفقة وتحمل دلالات رمزية مستفزة داخل مجتمع مسلم محافظ.

الواقعة التي كان يُراد لها، على ما يبدو، أن تعكس صورة “التسامح والانفتاح” المغربي، تحولت سريعا إلى مادة للنقاش والسخرية والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تساءل كثيرون عن خلفيات اختيار رمز ديني مسيحي تحديدا كهدية رسمية باسم المغرب، بدل الاعتماد على رموز تراثية وثقافية تعبر عن الهوية الحضارية الجامعة للمملكة.

فالمغرب، المعروف عبر تاريخه بتعايش مكوناته الدينية والثقافية، لم يكن يوما بحاجة إلى تقديم “الصليب” لإثبات تسامحه.

فثقافة التعايش متجذرة في المجتمع المغربي منذ قرون، وتظهر في حماية دور العبادة واحترام الديانات السماوية، دون الحاجة إلى توظيف رموز عقائدية قد تُفهم بشكل خاطئ أو تثير حساسيات داخلية.

الانتقادات لم تكن موجهة ضد المسيحية أو ضد مبدأ احترام الآخر، بل ضد ما اعتبره كثيرون سوء تقدير سياسي ورمزي من طرف مسؤول حكومي يفترض فيه أن يدرك حساسية الرموز الدينية لدى الرأي العام المغربي.

فحين يتحول رمز ديني إلى هدية بروتوكولية باسم الدولة، يصبح من الطبيعي أن تُطرح الأسئلة حول الرسائل التي يراد تمريرها، وحول حدود الانفتاح الثقافي والدبلوماسي.

الأكثر إثارة للاستغراب، حسب متابعين، هو أن الصناعة التقليدية المغربية غنية بآلاف المنتوجات التي تحمل روح المغرب وهويته الحضارية، من الزليج والنقش على النحاس والخشب، إلى اللباس التقليدي والتحف الأمازيغية والصحراوية.

لذلك بدا اختيار “الصليب” وكأنه قرار غير محسوب، خاصة في ظرفية يعرف فيها النقاش حول الهوية والثوابت حساسية متزايدة.

وفي خضم الجدل، عاد السؤال الذي يطرحه المغاربة كل مرة: هل بعض المسؤولين منفصلون عن نبض المجتمع؟ وهل أصبحت بعض التصرفات الرسمية تتم دون استحضار للبعد الرمزي والديني والثقافي الذي يشكل وجدان الشعب المغربي؟

قد يعتبر البعض أن الأمر لا يعدو كونه “هدية دبلوماسية”، لكن السياسة تعلمنا أن الرموز ليست تفاصيل صغيرة، بل رسائل تحمل معاني تتجاوز حجمها المادي.

لذلك فإن ردود الفعل الغاضبة تعكس، في عمقها، تمسك المغاربة بهويتهم ورفضهم لأي سلوك رسمي قد يُفهم كتنازل رمزي عن الخصوصية الدينية والثقافية للمملكة.

فالانفتاح الحقيقي لا يعني الذوبان في رموز الآخر، بل القدرة على احترام الجميع مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والدينية التي توحد المجتمع المغربي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*