مناظرة “الاستحمار” لا الاستثمار: خطيئة أخنوش وزيدان في حق كفاءات مغاربة العالم.

مناظرة “الاستحمار” لا الاستثمار: خطيئة أخنوش وزيدان في حق كفاءات مغاربة العالم.

كتبها: جمال الدين ريان (ناشط في قضايا مغاربة العالم)

​بينما تنتظر الجالية المغربية بالخارج قطيعة حقيقية مع سياسات الارتجال، والتفاتة جادة تترجم التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى إدماج حقيقي لكفاءات وأطر مغاربة العالم في الدينامية التنموية الوطنية، أبت الحكومة الحالية إلا أن تعيد إنتاج نفس الأنماط البالية.

ما شهدته مدينة طنجة مؤخراً تحت مسمى “مناظرة استثمار مغاربة العالم” لم يكن سوى تجسيد صارخ لمنهجية الإقصاء والتهميش، لدرجة بات معها الوصف الأدق لهذا المحفل هو “مناظرة الاستحمار” لا الاستثمار.

​إن المشهد الذي هندسه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بمعية وزيره المنتدب المكلف بالاستثمار والمحاسبة والتقييم السياسات العمومية، كريم زيدان —القادم من كواليس الهجرة الألمانية بعقلية تكنوقراطية منبتة عن واقع الجالية— يمثل انتكاسة حقيقية.

لقد تحولت المناظرة إلى “فلكلور” بروتوكولي غايته التقاط الصور وتبادل الابتسامات المصطنعة، بدلاً من أن تكون منصة حوار استراتيجي يستوعب النخب الفكرية، والاقتصادية، والعلمية التي تزخر بها مغرب الهجرة.

هندسة الإقصاء وتدوير الوجوه

​المثير للامتعاض في مقاربة الثنائي (أخنوش – زيدان) هو ذلك الإصرار العجيب على تبني “منهجية إقصائية” ممنهجة. لقد تم تغييب الأغلبية الساحقة من الفاعلين الحقيقيين، والأطر العليا، والكفاءات الوازنة المستقرة في دول الاستقبال، وتم تعويضهم بـ “زبونية فكرية” ووجوه مكررة لا تمثل التنوع الهائل للجالية المغربية.

​كيف لحكومة تدّعي الرغبة في جلب الاستثمارات وتحفيز الكفاءات أن تحصر الحوار في دائرة ضيقة من “المرضي عنهم” أو المقربين سياسياً، في وقت تُقفل فيه الأبواب أمام آلاف الأطر المغربية في أوروبا، وأمريكا، والخليج، ممن يملكون مشاريع حقيقية وخبرات دولية قادرة على إحداث الفارق؟ هل يعتقد السيد الوزير القادم من ألمانيا أن تدبير ملف بحجم “مغاربة العالم” ينتهي عند حدود صياغة تقارير جافة وتنظيم لقاءات نخبورية معزولة عن نبض الواقع؟

من الاستثمار إلى الاستخفاف بالعقول

​إن ما جرى في طنجة هو “فلكلور سياسي” بامتياز، يعكس استخفافاً عميقاً بالذكاء الجماعي لمغاربة العالم.

فالجالية المغربية لم تعد مجرد “عملة صعبة” تضخ السيولة في الأزمات، أو خزان تعاطف يتم استدعاؤه في المناسبات. الجالية اليوم هي رافعة سيادية، تضم علماء، ومستثمرين، وأساتذة جامعيين، ومسيرين لكبريات الشركات العالمية.

​حينما تُختزل هذه القوة الضاربة في “ندوات شكلية” لا تخرج بتوصيات قابلة للتنفيذ، وتفتقر لأي آليات حقيقية لرفع المعيقات البيروقراطية والإدارية التي تواجه المستثمر المغربي المغترب، فإننا نكون أمام عملية “استحمار” ممنهجة وتزييف للواقع.

​رسالة إلى صناع “الفلكلور الحكومي”

​إن الرهان على تنظيم لقاءات استعراضية لتمرير انطباع زائف بالانفتاح هو رهان خاسر. الكفاءات المغربية بالخارج لا تبحث عن فنادق خمس نجوم في طنجة، ولا عن خطابات إنشائية يعاد تدويرها في كل مناسبة. إنها تبحث عن:

​بيئة مؤسساتية شفافة تحارب الفساد الإداري والبيروقراطية.

​إشراك حقيقي وغير إقصائي يقطع مع منطق “الزبونية والولاءات”.

​قنوات تواصل مؤسساتية دائمة وليست مناسباتية مرتبطة بأجندات سياسية ضيقة.

​على حكومة أخنوش، ومعها الوزير زيدان، أن يستوعبا أن مغاربة العالم أذكياء بما يكفي لتمييز التوجهات الاستراتيجية الحقيقية للدولة عن “البروباغندا” الحكومية العابرة.

إن استمرار هذه العقلية الإقصائية لن يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة، وهدر زمن تنموي ثمين يحتاجه المغرب في أوراشه الكبرى.

لقد حان الوقت لتتوقف مناظرات الاستعراض، وتبدأ سياسات الإنصات الفعلي والإدماج الحقيقي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*