83 مستشاراً ضد التقصي… حين تتحول الأغلبية إلى رسالة سياسية
سياسي: رشيد لمسلم
ليست خطورة الملفات المثيرة للجدل فيما يُقال عنها فقط، بل فيما يُمنع الرأي العام من معرفته بشأنها.
ومن هذا المنطلق، فإن تصويت 83 مستشاراً بمجلس المستشارين ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ملف “الفراقشية” لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إجراء برلمانياً عادياً، بل باعتباره موقفاً سياسياً يحمل دلالات تتجاوز حدود التصويت نفسه.
ويتعلق الأمر بمكونات الأغلبية المتمثلة في التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، إلى جانب ممثلي الغرف المهنية والاتحاد العام لمقاولات المغرب.
فعندما يُرفض تفعيل آلية دستورية أُحدثت أساساً للتحري وكشف الوقائع وتبديد الشكوك، فإن الرسالة التي تصل إلى الرأي العام لا تتعلق فقط بمآل طلب تشكيل اللجنة، بل بطبيعة العلاقة بين السلطة الرقابية ومتطلبات الشفافية. وحين يُغلق باب التقصي في ملف أثار نقاشاً واسعاً وتساؤلات متزايدة داخل المجتمع، فإن الانطباع السائد يصبح أن تأجيل الأسئلة أضحى أولوية على تقديم الأجوبة.
لا أحد يملك حق إصدار الأحكام المسبقة، ولا أحد يدعو إلى الإدانة خارج المؤسسات المختصة.
لكن من حق المواطنين أن يتساءلوا: إذا كان التحقيق لا يعني الإدانة، فلماذا يُرفض؟ وإذا كانت الشفافية عنواناً للعمل الحكومي، فلماذا يتم تعطيل إحدى أهم آلياتها الدستورية؟
سياسياً، يُفهم من هذا القرار أن منطق الأغلبية العددية انتصر على منطق الرقابة البرلمانية.
وأخلاقياً، قد يُقرأ باعتباره تغليباً لهاجس حماية الصورة على واجب كشف الحقيقة.
أما رمزياً، فإنه يعكس استمرار التردد في فتح بعض الملفات أمام المساءلة العمومية كلما ارتفع منسوب حساسيتها.
وقد قال أبو الطيب المتنبي:
“وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام”
أما المؤسسات الواثقة من نفسها فلا تخشى السؤال، ولا تنزعج من الرقابة، لأن المساءلة ليست تهديداً لها، بل مصدر قوة ومشروعية.
وحدها البيئات التي يثقلها منطق التحفظ المفرط تنظر إلى البحث عن الحقيقة باعتباره عبئاً لا فرصة.
لقد صوّت 83 مستشاراً ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، غير أن الأرقام وحدها لا تصنع الحدث السياسي.
ما يبقى في الذاكرة الجماعية هو الرسالة التي التقطها المواطنون من هذا التصويت: أن المطالبة بكشف الحقيقة ما تزال تحتاج إلى معركة، وأن المساءلة لا تحظى دائماً بالإجماع داخل دوائر القرار.
فالتاريخ السياسي لا يحتفظ بعدد الأيدي المرفوعة داخل قاعات التصويت بقدر ما يحتفظ بالمواقف التي شكّلت منعطفات في علاقة المؤسسات بالمجتمع.
ولذلك، فإن رفض البحث عن الحقيقة لا ينهي الأسئلة، بل غالباً ما يضاعفها، ويترك خلفه من علامات الاستفهام أكثر مما يترك من الأجوبة..
