خاطرة: رسالة إلى امرأة في طور التبخر
بقلم عبد الهادي بريويك
أيتها المرأة التي تمضي ببطء نحو الغياب،
أكتب إليك بينما تتساقط من بين أصابعي آخر بقايا اليقين، وأشاهد صورتك وهي تتلاشى شيئا فشيئا كضباب استيقظت عليه الشمس متأخرة.
لا أدري إن كنت ترحلين حقا، أم أنني أنا الذي أتأخر في فهم إشارات الرحيل.
كنت يوما وطنا صغيرا ألوذ به كلما ضاقت بي الجهات، وكانت ملامحك خريطة تقودني إلى نفسي كلما تهت بين وجوه الناس.
أما الآن فأراك مثل نجمة بعيدة، ما زلت أبصر نورها، رغم أنني أعلم أنها انطفأت منذ زمن.
كم هو موجع أن يتحول الحضور إلى ذكرى وهو ما يزال أمامنا، وأن يصبح اللقاء شكلا من أشكال الفقد، وأن نجلس متقابلين بينما تقف بيننا مسافات لا تستطيع الطرقات كلها أن تختصرها.
أيتها المتبخرة من تفاصيل أيامي،
لقد بدأت تغادرين الأشياء قبل أن تغادري المكان.
انسحب صوتك من زوايا المساء، وغادرت ضحكتك النوافذ التي كانت تنتظرك، حتى الكلمات التي كنت تزرعينها في روحي صارت تذبل قبل أن تزهر.
كأنك تحملين معك موسمك الخاص، وكلما ابتعدت خطوة ذبلت حديقة كاملة في داخلي.
لا ألومك على الرحيل، فالقلوب ليست سجونا، والحب لا يقاس بقدرتنا على الاحتفاظ بمن نحب، بل بقدرتنا على الدعاء لهم بالسلام وهم يبتعدون.
لكنني ألوم الوقت الذي علقني بين احتمالين؛ لا أنا أملككِ فأطمئن، ولا أنا أفقدكِ فأتعافى.
ما أصعب أن يكون الإنسان شاهدا على ذوبان حلمه وهو عاجز عن إنقاذه.
أراك تبتعدين كما يبتعد الشاطئ عن سفينة جرفها التيار، وأمد يدي نحوك فلا أقبض إلا على الفراغ.
أحاول أن أجمع ما تبقى منك في ذاكرتي، فأجد أن الذكريات نفسها بدأت تتبخر هي الأخرى، كأنها تتبعك في رحيلك الأخير.
كنتُ أظن أن الحب معجزة تكفي لهزيمة الغياب، ثم اكتشفت أن بعض الغيابات أقوى من الحب نفسه.
هناك أقدار تأتي صامتة، لا تكسر الأبواب ولا تثير الضجيج، لكنها تغيّر كل شيء.
تسرق الدفء من الكلمات، وتطفئ الضوء في العيون، وتجعل القلوب التي كانت تنبض معا تسير كل واحدة منها في اتجاه مختلف.
أيتها المرأة التي تتلاشى كحلم عند الفجر،
إذا وصلتك هذه الرسالة يوما، فاعلمي أنني لم أكتبها لأعيدك، بل لأحافظ على آخر ما تبقى مني.
أكتبها لأن الصمت صار أثقل من الاحتمال، ولأن الحروف هي الشيء الوحيد الذي لم يغادرني بعد.
سأعترف لكِ بشيء أخير: ما زلتُ أحبك، لكن حبا مختلفا عن ذلك الذي عرفناه.
لم يعد حبا يطالب أو ينتظر أو يحاسب.
صار حبا يشبه الدعاء البعيد، يشبه أمنية تُلقى في قلب السماء ثم تُترك لله.
أحبكِ كما يحب المسافر مدينة يعلم أنه لن يعود إليها، وكما يحب البحر سفينة اختارت أفقا آخر.
وإذا كان لا بد من الوداع، فليكن جميلا بقدر ما كان اللقاء جميلا.
خذي معك ما شئت من الذكريات، واتركي لي ما يكفي لأقنع قلبي أنك كنت هنا يوما، وأن هذا الفراغ العظيم لم يُخلق عبثا، بل صنعته امرأة مرت من حياتي كقصيدة نادرة، ثم مضت تاركة خلفها صدى لا ينتهي.
سلاما عليك في غيابك كما كان سلامي عليك في حضورك.
وسلاما على قلبي الذي تعلّم متأخرا أن بعض الأحبة لا يرحلون دفعة واحدة، بل يتبخرون ببطء، حتى لا ننتبه إلى أنهم صاروا غيمة بعيدة إلا بعد أن تمتلئ السماء بالفراغ.
