سياسة الميوعة والضحك على الأذقان… حين تتحول السياسة إلى عبث ويصبح الوعي الشعبي فعل مقاومة

*سياسة الميوعة والضحك على الأذقان… حين تتحول السياسة إلى عبث ويصبح الوعي الشعبي فعل مقاومة*

بقلم: نادية واكرار 

لم تعد الأزمة في كثرة الخطابات السياسية، بل في ضحالة مضامينها، ولا في تعدد الفاعلين، بل في تشابه أساليبهم وهم يتنافسون على استمالة المواطن بالشعارات بدل الحقائق، وبالإثارة بدل المسؤولية…

 لقد أصبحت السياسة، في كثير من تجلياتها فضاء لإعادة إنتاج الوهم، حيث تستبدل الرؤية الاستراتيجية بالخطاب الانفعالي، ويقدَّم التناقض على أنه مرونة والتراجع على أنه حكمة والتفاهة على أنها قرب من المواطن…

إن أخطر ما تعيشه الحياة السياسية اليوم ليس اختلاف البرامج و كثرتها بل محاولة تطبيع الاستخفاف بالعقول حتى أصبح البعض يراهن على تعب المواطن وعلى حيرته وعلى ضياعه وسط الأزمات المتراكمة، معتقدا أن الذاكرة الجماعية قصيرة وأن تكرار الوعود كفيل بمحو آثار الإخفاقات.

وهكذا تتحول السياسة من فن إدارة الشأن العام إلى فن إدارة الانطباعات… ومن فضاء لبناء الثقة إلى أداة لإعادة إنتاج الشك… ومن مسؤولية أخلاقية إلى ممارسة نفعية لا ترى في المواطن سوى وسيلة لبلوغ السلطة…

غير أن المواطن ليس مجرد رقم انتخابي ولا كتلة صامتة تُستدعى عند الحاجة ثم تُنسى بعد انتهاء المواسم السياسية.

إنه صاحب السيادة ومن حقه أن يرفض كل خطاب يستغل براءته، أو يتغذى على معاناته، أو يحاول تحويل أزماته اليومية إلى وسيلة للابتزاز السياسي…

 فحين يصبح الفقر والبطالة وغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية مجرد أدوات للمزايدة، فإن السياسة تكون قد فقدت بعدها الأخلاقي لتحولت إلى صناعة للأزمات بدل أن تكون أداة لحلها…

اما الصمت أمام هذا العبث فلم يعد فضيلة بل أصبح شكلا من أشكال التواطؤ.

والوقوف في وجه كل من يستخف بعقل المواطن أو يفرض التعسف باسم الشرعية أو يروّج لخطابات فارغة من أي مشروع حقيقي، ليس موقفا حزبيا ولا اصطفافا إيديولوجيا … بل هو واجب وطني وأخلاقي…! فالديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع وإنما تستمد قوتها من يقظة المجتمع وقدرته على مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم على أفعالهم قبل أقوالهم.

لقد تجاوز وعي المواطن المغربي مرحلة الانبهار بالخطب الرنانة… هو اليوم يمتلك من أدوات المعرفة والتواصل مما جعله أكثر قدرة على كشف التناقضات بين الخطابات والممارسة، وبين الوعد والإنجاز.

لذلك، فإن المستقبل لن يكون لمن يتقن فن الإقناع المؤقت أو يجيد صناعة المشهد الإعلامي،… بل لمن يمتلك الشجاعة في المصارحة والكفاءة في التدبير والنزاهة في تحمل المسؤولية.

ولعل ما يدعو إلى التفاؤل أن هذه القضايا لم تعد مجرد انشغالات فردية، بل أصبحت موضوعاً للنقاش داخل الفضاءات الفكرية والمدنية.

ففي المنتدى الجهوي للإبداع والتنمية، الذي احتضن مؤخرا نخبة من الباحثين والفاعلين والمهتمين بالشأن العام، كانت هذه الإشكالات في صلب النقاشات، وشكلت أحد المحاور الأساسية للمنتدى.

فقد ناقش المشاركون أزمة الخطاب السياسي وتراجع الثقة بين المواطن والمؤسسات وضرورة إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة للمصلحة العامة لا مجالاً للمزايدات، كما دعوا إلى ترسيخ ثقافة المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز المشاركة الواعية للمواطن في صناعة القرار…

ولم تكن تلك النقاشات مجرد مداخلات عابرة، بل تُرجمت إلى توصيات ومخرجات عملية، أكدت أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح الثقافة السياسية نفسها وبإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات على أساس الصدق والشفافية والكفاءة.

وقد حظيت هذه التوصيات باهتمام عدد من المنابر الإعلامية التي نقلتها إلى الرأي العام لأنها لامست جوهر الأزمة، ولم تكتف بوصف أعراضها.

إن ما خلص إليه المنتدى ينسجم مع حقيقة فلسفية عميقة، مفادها أن سقوط المجتمعات لا يبدأ حين تضعف إمكاناتها، بل حين تُصبح التفاهة معياراً، ويُكافأ التناقض، وتطمئن الهوية ، ويُنظر إلى ذكاء المواطن باعتباره عقبة يجب الالتفاف عليها لا قيمة ينبغي احترامها.

وعندما تُستبدل الحقيقة بالدعاية ويصبح الصمت فضيلة والخوف حكمة فإن المجتمع لا يفقد حريته دفعة واحدة، بل يفقدها بالتدريج، مع كل تنازل عن حقه في السؤال والمحاسبة.

إن المرحلة التي يعيشها المغرب اليوم تستدعي مواطناً يقظاً، لا تنطلي عليه الشعارات، ولا تُغريه المسرحيات السياسية، ولا يسمح لأي كان أن يجعل من معاناته سلماً للصعود إلى السلطة.

فالشعوب التي تُفكر، وتُحاسب، وتُراجع، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها. أما الشعوب التي تستسلم لسياسة الميوعة، والضحك على الأذقان، وتطبيع التفاهة، فإنها تظل تدور في الحلقة نفسها، مهما تبدلت الوجوه، ومهما تغيرت الخطب.

بحيث ان المشكلة الأساسية ليست في تبديل الأشخاص، بل في تغيير الثقافة السياسية التي تستخف بكرامة الإنسان وعقله، وتُراهن على النسيان أكثر مما تُراهن على الإنجاز. والواقع يثبت، في كل مرة، أن الوعي قد يتأخر، لكنه لا يموت، وأن الشعوب التي تحترم موروثنا الهوياتي وعقلها قادرة، مهما طال الزمن، على فرض معادلة جديدة يكون فيها المواطن شريكا قويا في القرار، لا مجرد متلق للخطابات.

إن معركة اليوم ليست معركة سلطة، بل معركة وعي… فمن ينتصر في معركة الوعي، يمتلك القدرة على بناء المستقبل، أما من يراهن على تضليل العقول، فلن يحصد سوى مزيد من فقدان الثقة واتساع الهوة بين المجتمع والسياسة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*