المغرب الذي نراه… والمغرب الذي نعيشه … ثمة مغربان يعيشان جنبا إلى جنب

المغرب الذي نراه… والمغرب الذي نعيشه

ثمة مغربان يعيشان جنبا إلى جنب

سياسي: رشيد لمسلم

مغرب يظهر في صور الأقمار الصناعية، وفي تقارير المؤسسات الدولية، وفي نشرات الأخبار الاقتصادية.

مغرب يبني الموانئ العملاقة، ويطور شبكة الطرق السيارة، ويجذب الاستثمارات، ويستعد لاستحقاقات عالمية كبرى، ويقدم نفسه باعتباره قوة إقليمية صاعدة في محيط مضطرب.

وهناك مغرب آخر لا يظهر كثيرا في المؤشرات.

مغرب الموظف الذي ينتهي راتبه قبل نهاية الشهر.

مغرب الشاب الحاصل على شهادة جامعية والذي ما زال يبحث عن فرصة عمل.

مغرب الأسر التي أصبحت تراجع قائمة مشترياتها أكثر من مرة قبل التوجه إلى السوق.

ومغرب القرى والمناطق الهامشية التي ما زالت تنتظر نصيبها الكامل من التنمية.

المشكلة ليست في وجود إنجازات كبرى.

فالإنجازات موجودة بالفعل، وإنكارها نوع من المكابرة.

لكن المشكلة تكمن في اتساع المسافة بين لغة الأرقام ولغة الواقع.

عندما يتحدث الخبراء عن النمو الاقتصادي، يسأل المواطن عن أسعار اللحوم والخضر.

وعندما تتحدث التقارير عن جذب الاستثمارات، يتساءل الشباب عن فرص الشغل.

وعندما يقال إن المغرب أصبح منصة صناعية واعدة، يبحث كثير من المواطنين عن أثر ذلك في قدرتهم الشرائية وفي جودة الخدمات العمومية التي يتلقونها.

هذه ليست مفارقة مغربية فقط، لكنها في المغرب تبدو أكثر وضوحا.

لقد نجحت الدولة خلال السنوات الأخيرة في بناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

غير أن التحدي الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نجذب المزيد من المشاريع، بل كيف نجعل ثمار هذه المشاريع تصل إلى أكبر عدد من المغاربة.

فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه الاقتصاد الكلي وحده.

تصنعه أيضا ثقة المواطن.

والثقة لا تُبنى بالخطب ولا بالشعارات، بل حين يشعر الناس أن حياتهم تتحسن فعلا، وأن الجهد الذي يبذلونه ينعكس على أوضاعهم الاجتماعية.

ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة هو أن يتقدم الاقتصاد بوتيرة أسرع من شعور المجتمع بالإنصاف.

عندها لا يصبح السؤال عن حجم الإنجاز، بل عن عدالة توزيعه.

المغرب اليوم لا يعاني من أزمة رؤية، بل من تحدي تحويل الرؤية إلى أثر اجتماعي ملموس.

فالموانئ الكبرى والقطارات السريعة والمناطق الصناعية المتطورة ليست أهدافا في حد ذاتها، بل وسائل لغاية أكبر: تحسين حياة الإنسان المغربي.

ومع اقتراب استحقاقات دولية كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، تبدو الفرصة مواتية لإعادة طرح السؤال الجوهري: ماذا نريد من التنمية؟

هل نريد تنمية تُبهر الزائر فقط، أم تنمية يشعر بها المواطن في مدرسته ومستشفاه ودخله وفرص أبنائه؟

الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد شكل المغرب في العقد المقبل.

فالدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من إسمنت وحديد، بل بما تبنيه من ثقة وعدالة وأمل.

وهذه هي المعركة الحقيقية التي يخوضها المغرب اليوم.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*