عندما تتحول فرحة الوطن إلى مادة للتشكيك

عندما تتحول فرحة الوطن إلى مادة للتشكيك

سياسي : رشيد لمسلم

في كل الأمم، هناك لحظات تتجاوز الحسابات الضيقة، وتصبح فيها راية الوطن أعلى من كل خلاف.

ولعل ما يحققه المنتخب الوطني المغربي في المحافل الدولية هو أحد تلك اللحظات التي لا تصنعها الصدفة، ولا يختزلها شخص، ولا يجوز أن تختطف لتغذية الاستقطاب أو تصفية الحسابات.

ليس من العيب أن تطرح الأسئلة حول تدبير المال العام، ولا أن تناقش ميزانيات المؤسسات العمومية، ولا أن تمارس الصحافة دورها الرقابي بكل جرأة واستقلالية.

بل إن ذلك هو جوهر العمل الإعلامي المسؤول.

لكن بين الصحافة التي تبحث عن الحقيقة، والصحافة التي تكتفي بإثارة الانفعال، مسافة شاسعة لا تختصرها العناوين الصاخبة ولا الأوصاف القاسية.

عندما تستبدل الوثيقة بالاتهام، والرقم الرسمي بالتقدير، وحق الرد بالإدانة المسبقة، فإن القضية لا تعود دفاعا عن المال العام، بل تتحول إلى محاكمة إعلامية تصدر أحكامها قبل أن تعرض أدلتها.

وهنا يفقد النقاش قيمته، لأن قوة الصحافة لا تقاس بحدة عباراتها، وإنما بصلابة حججها.

من حق المغاربة أن يعرفوا كيف تصرف الأموال، ومن واجب كل مؤسسة أن تقدم التوضيحات اللازمة متى اقتضى الأمر.

لكن من حقهم أيضا ألا يُدفعوا إلى الاعتقاد بأن كل نجاح يخفي بالضرورة فسادا، أو أن كل إنجاز لا بد أن يجرد من قيمته بسبب خلافات مع هذا المسؤول أو ذاك.

لقد أثبت المنتخب الوطني، مرة أخرى، أنه ليس مجرد فريق لكرة القدم، بل مشروع وطني استطاع أن يوحد ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه.

وما كان لهذا المشروع أن يستمر لولا تضافر جهود اللاعبين، والطاقم التقني، والأطر الإدارية، وكل من ساهم في تهيئة الظروف التي مكنت كرة القدم المغربية من أن تنافس بين كبار العالم.

وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، كانت جزء من هذا المسار. وهذا لا يمنحها حصانة من النقد، كما لا يبرر تحويل كل خطوة تقوم بها إلى موضع اتهام.

فالإنصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق، دون إفراط في التمجيد أو اندفاع نحو الإدانة.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب النقاش العمومي هو أن يصبح الرأي بديلا عن الحقيقة، وأن تتحول البلاغة إلى وسيلة لإقناع الناس بما لم تثبته الوقائع.

فالكلمات قد تصنع ضجيجا، لكنها لا تصنع حقيقة، والعناوين المثيرة قد تحصد آلاف القراءات، لكنها لا تغني عن دليل واحد موثق.

المغرب اليوم يحتاج إلى صحافة تراقب ولا تحرض، تسائل ولا تدين مسبقا، وتدافع عن المال العام بالوثيقة لا بالشعار. كما يحتاج إلى خطاب يعترف بأن الإنجازات الوطنية ليست ملكا للأشخاص، ولا تختزل في الأسماء، بل هي ثمرة عمل جماعي يجب أن يصان من المزايدات، تماما كما يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون والمؤسسات.

أما المنتخب الوطني، فقد أدى ما عليه داخل الملعب، وأعاد رسم صورة المغرب في أعين العالم.

ومن الوفاء لهذا الإنجاز أن يناقش كل ما يحيط به بعقل بارد، ولسان منصف، وقلم لا يخشى الحقيقة، لكنه لا يستبقها أيضـا .

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*