الأمن والتنمية في مواجهة الإرهاب: لماذا نجح النموذج المغربي؟
كتبها: سعيد الكحل
أعاد تفكيك الخلية الإرهابية، في 6 يوليوز 2026، إلى واجهة النقاش حقيقة كثيراً ما تؤكدها الوقائع، وهي أن الإرهاب لم يعد مجرد تهديد أمني يمكن احتواؤه بتعزيز القدرات العسكرية أو بتشديد العقوبات القانونية، بل أصبح ظاهرة عالمية مركبة تتداخل في إنتاجها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية.
فالتنظيمات الإرهابية لم تعد تعتمد البنيات الهرمية التقليدية التي طبعت تنظيمات نهاية القرن الماضي، وإنما تحولت إلى شبكات مرنة وعابرة للحدود، قادرة على إعادة تشكيل نفسها بسرعة، وتكييف أساليب عملها مع التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية والتكنولوجية.
ولم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل بالنسبة لهذه التنظيمات، بل أصبح مجالاً رئيسياً للتجنيد والتعبئة ونشر الدعاية المتطرفة وجمع التمويلات والتخطيط للعمليات الإرهابية.
كما توسعت علاقاتها مع شبكات الجريمة المنظمة التي تنشط في الاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر والذهب، وفي غسل الأموال والهجرة غير النظامية، مما وفر لها مصادر تمويل أكثر تنوعاً ومرونة.
وأمام هذا التحول، لم يعد نجاح الدول في مكافحة الإرهاب يقاس بعدد الإرهابيين الذين يُعتقلون بعد تنفيذ عملياتهم، وإنما بقدرتها على منع تشكل الخطر في مراحله الأولى، وإحباطه قبل أن يتحول إلى فعل إجرامي يهدد أمن المجتمع واستقرار الدولة.
وقد أكدت التجارب الدولية أن إفريقيا، ولاسيما منطقة الساحل، أصبحت تمثل بؤرة الإرهاب الأكثر دموية في العالم.
ويبين مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2025 أن منطقة الساحل تستأثر بأكثر من نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب عالمياً، بعدما تحولت إلى المجال الأكثر نشاطاً للجماعات المتشددة (سقط 10,685 قتيلاً بسبب الإرهاب سنة 2025، وما يزيد عن 150 ألف قتل بين 1016و2025).
ولم يكن هذا التحول نتيجة انتشار الفكر المتطرف وحده، بل جاء أيضاً بفعل هشاشة مؤسسات الدولة، واتساع رقعة الفقر، وتصاعد النزاعات الإثنية، وضعف البنيات الاقتصادية، وانتشار الاقتصاد غير المشروع، فضلاً عن التدفق الكبير للأسلحة عقب انهيار النظام الليبي.
وفي مثل هذه البيئات تجد التنظيمات الإرهابية تربة خصبة للتوسع، إذ تستثمر الإحباط الاجتماعي، والبطالة، والشعور بالتهميش، وانعدام الثقة في المؤسسات، لتقديم نفسها بديلاً للدولة، أو وسيلة لتحقيق العدالة المفقودة، أو مصدراً للدخل في مجتمعات تعاني من الحرمان.
المقاربة الشمولية.
في هذا السياق، اختار المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، منذ الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها الدار البيضاء في 16 ماي 2003، أن يؤسس استراتيجيته لمواجهة الإرهاب على رؤية شمولية تتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية.
فقد أدركت الدولة أن الإرهاب ليس مجرد فعل إجرامي معزول، وإنما هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل أمنية وفكرية واجتماعية واقتصادية، وأن مواجهته تقتضي تعبئة مختلف مؤسسات الدولة، وليس الأجهزة الأمنية وحدها. ومن هنا جاء الرهان على بناء نموذج متكامل يجعل الأمن والتنمية والإصلاح الديني والتحديث القانوني والبحث العلمي عناصر متكاملة داخل استراتيجية وطنية واحدة.
وتبرز خصوصية التجربة المغربية في أنها لم تراهن على المقاربة الزجرية وحدها، كما فعلت بعض التجارب التي انحصرت في الحلول العسكرية، بل سعت إلى الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، وبين الأمن الاستباقي والسياسات العمومية الموجهة لتعزيز التماسك الاجتماعي. فقد واكب تحديث المنظومة الأمنية إطلاق أوراش تنموية كبرى استهدفت محاربة الفقر والهشاشة، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين مؤشرات التنمية البشرية، انطلاقاً من قناعة مفادها أن المجتمع الأكثر اندماجاً هو أيضاً المجتمع الأكثر مناعة في مواجهة التطرف.
وفي هذا الإطار، شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، منذ إطلاقها سنة 2005، أحد أبرز تجليات هذا الاختيار الاستراتيجي، إذ استهدفت الفئات الأكثر هشاشة (أزيد من عشرة ملايين مستفيد) ودعمت آلاف المشاريع المدرة للدخل، وعززت الولوج إلى الخدمات الأساسية، وساهمت في تنمية الرأسمال البشري.
كما جاء برنامج “انطلاقة” لتوسيع فرص تمويل الشباب وحاملي المشاريع والمقاولات الصغرى (استفادت حوالي35,436 مقاولة) بينما مثل ورش تعميم الحماية الاجتماعية أحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المملكة، من خلال توسيع الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض (عدد المستفيدين من ورش تعميم التغطية الصحية24,3 مليون مستفيد)، والتعويضات العائلية، والتقاعد، والتعويض عن فقدان الشغل.
ولم تكن هذه البرامج مجرد سياسات اجتماعية مستقلة، وإنما شكلت جزءاً من رؤية أمنية بعيدة المدى، تعتبر أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر فاعلية في الوقاية من التطرف وتعزيز الاستقرار.
لقد تُرجمت هذه الرؤية الشمولية إلى إصلاحات مؤسساتية عميقة لم تقتصر على تطوير القدرات العملياتية للأجهزة الأمنية، بل استهدفت بناء منظومة أمنية حديثة قوامها الاستباق، والاحترافية، والتنسيق المؤسساتي، والاستثمار في المعرفة.
فمع تطور أنماط الإرهاب، واتجاه التنظيمات المتطرفة إلى استغلال الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والعملات المشفرة، ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد ممكناً مواجهة هذه التهديدات بالأدوات التقليدية.
وأصبح نجاح الأجهزة الأمنية رهيناً بقدرتها على استشراف المخاطر، وتحليل البيانات، واختراق الشبكات الإرهابية، وتفكيكها قبل انتقالها من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ.
وفي هذا السياق، راكمت المؤسسات الأمنية المغربية خبرة ميدانية جعلت المقاربة الاستباقية إحدى السمات المميزة للنموذج المغربي.
فمنذ أحداث الدار البيضاء سنة 2003، تمكنت الأجهزة المختصة من تفكيك ما يقل عن 300 خلية وشبكة إرهابية وإحباط أكثر من 500 مخططاً إجرامياً منذ أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء وحتى منتصف عام 2026 .
وهو ما أسهم في حماية الأرواح والممتلكات والحفاظ على استقرار البلاد في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
ولم يكن هذا النجاح ثمرة العمل الأمني الميداني فقط، بل نتاج منظومة متكاملة تجمع بين العمل الاستخباراتي، والتحليل الاستراتيجي، والتنسيق القضائي، والتعاون الدولي، بما يسمح بالتدخل في المراحل الأولى لتشكل الخطر.
وشكل إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015 محطة مفصلية في تطوير هذه المنظومة، باعتباره جهازاً متخصصاً في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وقد عزز هذا الإطار المؤسساتي قدرة الدولة على توحيد جهود البحث والتحري والتحقيق، وتسريع تبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين، والتعامل مع التهديدات الأمنية وفق مقاربة تقوم على السرعة والدقة والتنسيق.
كما امتد مجال اختصاصه ليشمل مكافحة شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات والأسلحة، والاتجار بالبشر، وجرائم غسل الأموال، إدراكاً للترابط المتزايد بين الإرهاب والجريمة المنظمة، وهو ترابط تؤكده تقارير الأمم المتحدة والإنتربول باستمرار.
ولم يقتصر تحديث المنظومة الأمنية على تطوير الهياكل التنظيمية، بل شمل أيضاً الاستثمار في العنصر البشري باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الحديث.
فالكفاءة الأمنية لم تعد تقاس فقط بالخبرة الميدانية، وإنما أصبحت تتطلب تكويناً أكاديمياً متعدد التخصصات يجمع بين القانون، والعلوم الأمنية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والعلوم الاجتماعية والسلوكية.
وفي هذا الإطار، يكتسي إحداث المعهد العالي للعلوم الأمنية بمدينة إفران أهمية استراتيجية، باعتباره أول مؤسسة أكاديمية متخصصة في تكوين قيادات أمنية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها البيئة الأمنية الدولية، والانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق استشرافها والوقاية منه.
الدبلوماسية الأمنية.
انطلاقاً من هذا الفهم الشامل لطبيعة التهديدات، لم يحصر المغرب مقاربته لمكافحة الإرهاب داخل حدوده الوطنية، بل وسعها لتشمل محيطه الإفريقي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن الأمن لا يتجزأ، وأن استقرار الدول المجاورة يمثل امتداداً مباشراً للأمن الوطني.
فالتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود تستغل هشاشة الدول وضعف التنسيق الإقليمي، الأمر الذي يجعل من التعاون الأمني والتنمية المشتركة شرطين أساسيين لبناء أمن مستدام، وليس مجرد خيار في السياسة الخارجية.
ومن هذا المنطلق، بلور المغرب دبلوماسية أمنية نشطة تقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون القضائي والأمني، والمساهمة في بناء قدرات الدول الإفريقية في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وهذا ما أشاد به سفير الكاميرون، عند افتتاح مقر مكتب برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والتدريب في إفريقيا في 2021، بأن “المغرب أبان عن انفتاحه لتقاسم تجربته مع البلدان الإفريقية من خلال التوقيع على العديد من الاتفاقيات في مجال الأمن وتبادل المعلومات”.
وقد جعلت هذه السياسة المملكة شريكاً موثوقاً لدى عدد متزايد من الدول والمنظمات الدولية، بالنظر إلى ما راكمته أجهزتها الأمنية من خبرة في مجال الأمن الاستباقي وتفكيك الشبكات الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. كما أن انتخاب المغرب نائباً لرئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) عن القارة الإفريقية، ورئاسته المشتركة لمجموعة Africa Focus Group التابعة للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش، يعكسان المكانة التي بات يحتلها في منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
ولم يقتصر الاعتراف الدولي على توسيع مجالات التعاون الأمني، بل تُرجم أيضاً في الإشادة المتكررة التي عبرت عنها أجهزة أمنية واستخباراتية في عدد من الدول الصديقة بنجاعة التعاون مع المغرب، وفي الأوسمة والتكريمات التي منحت لمسؤولين أمنيين مغاربة، وفي مقدمتهم المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني السيد عبد اللطيف الحموشي، تقديراً لإسهامهم في تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ولا تكتسي هذه التكريمات بعداً بروتوكولياً فحسب، بل تمثل مؤشراً على الثقة التي أصبحت تحظى بها المؤسسات الأمنية المغربية لدى شركائها الدوليين، وعلى المكانة التي اكتسبها النموذج المغربي في مجال الأمن الاستباقي والتي يكرسها تصنيف المغرب ضمن الدول الأكثر أمانا في العالم حيث حصل على درجة “0” في مؤشر الإرهاب العالمي للأعوام 2024،2025،2026 الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام (IEP).
غير أن خصوصية الرؤية المغربية تكمن في أنها لا تنظر إلى الأمن باعتباره شأناً أمنياً صرفاً، وإنما تعتبره نتيجة مباشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فالتجارب الدولية أثبتت أن الإرهاب لا ينمو في الفراغ، وإنما يجد في الفقر، والبطالة، وضعف مؤسسات الدولة، وتدهور الخدمات الأساسية، بيئة مواتية للتوسع والتجنيد. وقد خلصت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنها دراسة »رحلة إلى التطرف في إفريقيا«، إلى أن الشعور بالإقصاء وغياب فرص الشغل وضعف الثقة في المؤسسات تمثل، في حالات كثيرة، عوامل أكثر تأثيراً في الالتحاق بالجماعات المتطرفة من الاعتبارات الإيديولوجية وحدها.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، جاءت المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي باعتبارها مشروعاً استراتيجياً يتجاوز البعد اللوجستي إلى إعادة صياغة شروط التنمية في المنطقة. فالدول غير الساحلية تعاني من ارتفاع تكاليف النقل، وضعف الاندماج في الاقتصاد العالمي، وصعوبة جذب الاستثمارات، وهي عوامل تحد من النمو الاقتصادي وتفاقم البطالة والفقر. ومن شأن فتح منفذ مستدام على المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية والموانئ المغربية أن يعزز المبادلات التجارية، ويحفز الاستثمار، ويخلق فرصاً جديدة للشغل، ويقوي اندماج هذه الدول في الاقتصاد الإقليمي والدولي، مما يحد من العوامل البنيوية التي تستغلها التنظيمات الإرهابية في التجنيد والاستقطاب.
وتندرج ضمن الرؤية نفسها أيضاً مبادرة أنبوب الغاز الإفريقي نيجيريا–المغرب، الذي لا يمثل مشروعاً طاقياً فحسب، بل يشكل رافعة للتنمية الإقليمية والاندماج الاقتصادي. فإلى جانب مساهمته في تعزيز الأمن الطاقي، من المنتظر أن يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار، وتطوير البنيات التحتية، وتشجيع المبادلات التجارية، وخلق فرص العمل في الدول التي يمر عبرها.
ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية لهذا المشروع لا تكمن فقط في نقل الغاز، وإنما في كونه مشروعاً للتنمية المشتركة، يعزز الاستقرار ويقلص من مسببات الهشاشة التي تستثمرها الجماعات المتطرفة.
وتبرز هنا إحدى أهم خصوصيات النموذج المغربي، وهي الربط بين الأمن والتنمية في علاقة تبادلية؛ فكما أن التنمية تسهم في تجفيف منابع التطرف، فإن الأمن بدوره يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية.
فالاستقرار الذي تنعم به المملكة وفر بيئة مواتية لجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتنشيط القطاع السياحي، وتطوير المشاريع الصناعية الكبرى، وتعزيز ثقة الفاعلين الاقتصاديين في مناخ الأعمال. وهكذا لم يعد الأمن مجرد وسيلة لحماية الدولة، بل تحول إلى رصيد اقتصادي واستراتيجي يعزز تنافسية البلاد وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال وإطلاق المشاريع التنموية.

