تضامن مغربي مع فاجعة “دار أيتام” بالجزائر!
ما إن علم المواطنون المغاربة بالحادث المأساوي الذي شهدته الجارة الشرقية الجزائر فجر يوم الخميس 16 يوليوز 2026، إثر اندلاع حريق مهول في مؤسسة “الطفولة المسعفة” بضاحية المحمدية بالعاصمة الجزائر، بسبب شرارة كهربائية صادرة عن مكيف هوائي يعمل بلا انقطاع. وهو الحادث الأليم الذي أودى بحياة عدد من الأطفال الأبرياء وإصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، حتى عجت صفحات التواصل الاجتماعي بتدوينات تفيض بمشاعر الحزن، للتعبير عن خالص العزاء وأصدق المواساة للأشقاء الجزائريين، راجية من المولى جل وعلا الرحمة والمغفرة لضحايا هذه المأساة، الصبر والسلوان لذويهم والشفاء العاجل للمصابين.
وبغض النظر عن مطالب عديد النشطاء الجزائريين، المتمثلة في ضرورة الحرص على سلامة دور الرعاية في الجزائر، فرض رقابة صارمة على مرافق الكهرباء والغاز بكافة المؤسسات العامة، تقوية دور الحراسة الليلية وتزويد المؤسسات بأنظمة الإنذار المبكر ووسائل الإطفاء ومخارج الطوارئ، التي تساهم في إنقاذ أرواح الضحايا من الحرائق المباغتة قبل انتشار النيران.
وعن المطالبة كذلك بفتح تحقيق فوري في الأسباب الحقيقية الكامنة خلف هذه الفاجعة المروعة، التي هزت مشاعر الجزائريين وسواهم، حتى ينال جزاءه كل من ثبت تقصيره أو تورطه…
فإنه وعلى عكس ضجيج الذباب الإلكتروني الذي تشبع بقيم الحقد والكراهية للمغرب والمغاربة، التي رسخها النظام العسكري الجزائري في الأذهان عبر البرامج التعليمية والإعلام الرسمي والأقلام المأجورة، سارع بعض المواطنين الجزائريين الأحرار إلى التفاعل مع ما أبداه جزء كبير من المغاربة من تضامن واسع والإشادة به أيما إشادة، حيث جاءت ردود الفعل الشعبية التلقائية على منصات التواصل الاجتماعي، لتعكس عمق الروابط الإنسانية التي تجمع بين الشعبين، لاسيما أن المغاربة طالما بدوا متسامحين في مثل هذه المواقف الإنسانية النبيلة ومن بين أكثر الشعوب العربية تضامنا ومواساة لأشقائهم الجزائريين، متجاوزين بذلك كل الحواجز السياسية والحدود الجغرافية…
إذ أن العلاقات الجزائرية/المغربية لم تعرف استقرارا حقيقيا منذ استقلال الجزائر في عام 1962، خاصة أن الحكام الجزائريين اختاروا نهج سياسة العداء للمغرب وإضمار السوء له، متذرعين بمبررات واهية من قبيل “ممارسات عدائية من طرف المغرب تجاه الجزائر”، مما جعل السلطات الجزائرية تقدم ليس فقط على طرد حوالي 350 ألف من مواطنيه كانوا يقيمون لعقود فوق التراب الجزائري، وذلك بعد مضي شهر واحد فقط على تنظيم “المسيرة الخضراء” للمطالبة باسترجاع أقاليمه الجنوبية من قبل المستعمر الإسباني، في 18 دجنبر 1975 الذي يصادف أول أيام عيد الأضحى المبارك، بل والتمادي في معاكسته بخصوص وحدته الترابية في قضية الصحراء المغربية، التي يصرون على استعمالها كورقة ضغط لتعطيل مساره التنموي ومحاولة تفتيت أراضيه وإضعافه إقليميا ودوليا…
ورغم استمرار التحرش الجزائري بالمغرب واستفزازه من خلال مجموعة من الممارسات الدنيئة، منها منح مواصلة الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي لجبهة البوليساريو الانفصالية وتوفير الملاذ لها في مخيمات تندوف، إغلاق الحدود البرية مع المغرب منذ عام 1994، قطع العلاقات الدبلوماسية معه من جانب واحد عام 2021، واتخاذ مجموعة قرارات مفاجئة في نفس السنة كإغلاق الجزائر لمجالها الجوي أمام الطائرات المغربية المدنية والعسكرية، وعدم تجديد عقد أنبوب الغاز المغاربي/الأوروبي، الذي يمر نحو إسبانيا عبر المغرب، إضافة إلى التجنيد الإعلامي والدعائي ضد المغرب بترويج الأكاذيب والمغالطات، ومحاولة تشويه صورته أمام الرأي العام الدولي وضرب مصالحه، وغير ذلك كثير…
فإن العاهل المغربي محمد السادس أبى إلا أن يدير ظهره لكل تلك الاستفزازات والتحرشات والاتهامات الباطلة، وظل يحاول دون كلل ولا ملل وفي أكثر من مناسبة توجيه الدعوة مباشرة وعبر خطاباته الرسمية إلى أشقائه الجزائريين في قصر المرادية لطي صفحة الخلافات وإجراء حوار صادق ومسؤول حول مختلف القضايا العالقة وتجاوز الوضع المؤسف، مؤكدا على أن يده ستبقى دوما ممدودة وأبواب المملكة مفتوحة في وجوههم، مادام هدفه الأسمى هو إعادة بناء علاقات ثنائية جديدة بين البلدين، تقوم على أسس متينة من الثقة والاحترام المتبادل وحسن الجوار، ومشددا في ذات الوقت على عمق الروابط الإنسانية، والتاريخية، والدين، واللغة، والمصير المشترك الذي يجمع بين القطرين الشقيقين…
ثم إن مأساة مؤسسة “الطفولة المسعفة” ليست هي المرة الأولى التي بادر فيها المواطنون المغاربة وعلى رأسهم عاهلهم إلى التعبير عن تضامنهم مع أشقائهم الجزائريين وعائلات الضحايا والمصابين، فقد سبق لهم القيام بذلك في عدة مناسبات، ونستحضر هنا ما شهدته عدة مناطق في الجزائر من حرائق الغابات خلال شهر غشت 2021، مخلفة العديد من الضحايا العسكريين والمدنيين، عندما أمر الملك محمد السادس وزيري الخارجية والداخلية المغربيين، بالتعبير لنظيريهما الجزائريين عن استعداد المملكة لتقديم كل ما يلزم من وسائل للمساعدة في مكافحة تلك الحرائق…
إن الحاجة اليوم إلى مزيد من التضامن وتجاوز الخلافات وكل أسباب التباعد بين الشعبين الشقيقين، باتت من الضرورات الاستراتيجية الملحة على المستويين التاريخي والجغرافي، لاسيما أن البلدين الجزائر والمغرب يمتلكان كل مقومات التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مما يتطلب من حكام الجزائر الانكباب على دراسة جدوى مبادرة ملك المغرب، الرامية إلى تشكيل لجنة سياسية مشتركة، لمعالجة كافة القضايا المطروحة قصد بناء علاقات ثنائية جديدة وتجاوز حالة الجمود، والعمل الجاد على حشد الطاقات وشحذ الهمم لبناء اتحاد مغاربي قوي في أقرب الآجال.
اسماعيل الحلوتي
