سبتة… عندما يتحول العبور إلى سؤال دولة
بقلم: نادية واكرار
هناك أحداث لا تقاس أهميتها بعدد المشاركين فيها ولا بحجم التغطية الإعلامية التي تحظى بها… وإنما بما تثيره من أسئلة عميقة حول المجتمع والدولة ومستقبل العلاقة بينهما.
وما شهدته مدينة سبتة خلال الأيام الماضية ينتمي إلى هذا النوع من الوقائع؛ فهو يتجاوز كونه محاولة جماعية لعبور الحدود، ليصبح مناسبة للتأمل في تحولات أوسع تمس صورة الدولة، وتطلعات الشباب، ومعنى الانتماء في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
فالذين اندفعوا نحو البحر لم يكونوا كتلة متجانسة تحمل الدافع نفسه أو الحلم ذاته! فمنهم من دفعته ظروف اقتصادية قاسية, منهم من استسلم لوهم الفرصة السريعة، ومنهم من تأثر بمحيطه أو بوسائل التواصل الاجتماعي وربما استغلت شبكات الاتجار بالبشر اندفاع بعضهم.
لذلك فإن اختزال ما وقع في تفسير واحد، سواء أمني أو اجتماعي أو سياسي، لا يفي بتعقيد الظاهرة ولا يساعد على فهمها.
ومع ذلك، فإن حجم الحدث يفرض سؤالًا لا يمكن تجاوزه: ما الذي يجعل المجازفة بالحياة، بالنسبة إلى بعض الشباب، خيارًا يبدو أكثر قابلية للتصور من انتظار فرصة داخل الوطن؟
هذا السؤال لا يُوجَّه إلى الحكومة وحدها، ولا إلى الأسر وحدها، ولا إلى الشباب أنفسهم، بل إلى المنظومة برمتها؛ لأن الظواهر الكبرى لا تنشأ من سبب منفرد، وإنما من تراكمات تتقاطع فيها السياسات العمومية مع التحولات الاقتصادية والثقافية والنفسية.
لقد حقق المغرب، خلال العقدين الأخيرين، إنجازات يصعب إنكارها؛ فمن البنيات التحتية الكبرى إلى الحضور الدبلوماسي المتنامي، ومن المشاريع الصناعية إلى الإصلاحات المؤسساتية، استطاع أن يرسخ لنفسه مكانة إقليمية ودولية متقدمة في عدد من المجالات.
غير أن تجارب الأمم تؤكد أن نجاح الدول لا يُقاس فقط بما تبنيه من موانئ وطرق ومناطق صناعية، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء الثقة داخل المجتمع، وإقناع المواطن بأن ثمار التنمية تصل إليه، وأن المستقبل لا يزال ممكنًا في وطنه.
ولعل هذه الفكرة ليست جديدة.
فقد أدرك ، منذ قرون، أن قوة العمران لا تقوم على المباني وحدها، بل على تماسك الجماعة وثقتها في نظامها السياسي والاجتماعي.
كما أن الأدبيات الاقتصادية الحديثة، منذ أعمال ، أعادت الاعتبار لما يسمى “رأس المال البشري”، باعتباره الثروة الأكثر قيمة في أي مجتمع، لأن الإنسان المنتج والمبدع هو الذي يمنح الموارد معناها، ويحوّل الاستثمارات إلى تنمية مستدامة.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو الهجرة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل تعكس، في بعض الحالات، انتقالًا للمعرفة والخبرة والطاقة البشرية.
فالشاب الذي يغادر لا يحمل معه حقيبة سفر فقط، وإنما يحمل سنوات من التعليم والتكوين والاستثمار الأسري والعمومي، ويحمل أيضًا مشروعًا كان يمكن أن يولد داخل وطنه لو وجد البيئة التي تحتضنه.
ولهذا، فإن النقاش حول الهجرة لا ينبغي أن ينحصر في كيفية الحد منها، بل في الكيفية التي تجعل البقاء خيارًا جاذبًا.
فالدول التي نجحت في الاحتفاظ بكفاءاتها لم تعتمد على القيود، بل على بناء منظومة يشعر فيها المواطن بأن جهده يمكن أن يغير واقعه، وأن القانون يحمي تكافؤ الفرص، وأن النجاح نتيجة للكفاءة أكثر منه نتيجة للامتياز.
ولعل العالم يعيش اليوم تحولًا غير مسبوق في طبيعة التنافس بين الدول.
فبعد أن كان الصراع يدور حول الأرض والموارد الطبيعية والممرات التجارية، أصبح يدور، بدرجة متزايدة، حول استقطاب الإنسان نفسه.
وتشهد على ذلك سياسات الهجرة الانتقائية التي تعتمدها العديد من الاقتصادات المتقدمة، والتي تستهدف الكفاءات والمهارات لمواجهة تحديات الشيخوخة الديموغرافية وتراجع اليد العاملة.
وفي هذا السياق، يصبح الشباب المغربي موردًا استراتيجيًا، لا بسبب عدده فقط، بل لما أظهره داخل المغرب وخارجه من قدرة على الاندماج والإبداع والإنتاج.
فقد أثبتت تجارب كثيرة أن الكفاءات المغربية ساهمت في مجالات الطب والهندسة والبحث العلمي وريادة الأعمال، وهو ما يجعل المحافظة على هذا الرصيد البشري قضية تنموية وسيادية في آن واحد.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة يقود إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة إلى قوة لبناء الداخل، بدل أن تصبح رافدًا لاقتصادات أخرى؟ هنا لا يتعلق الأمر بإلقاء اللوم على أحد، بل بإدراك أن الاستثمار في الإنسان لا ينتهي عند التعليم أو التكوين، وإنما يكتمل بخلق بيئة تمنحه الثقة في أن مستقبله يمكن أن يُصنع داخل وطنه.
غير أن قراءة ما جرى في سبتة لا تكتمل إذا بقيت محصورة في بعدها الاجتماعي أو الاقتصادي.
فالحدث جاء في لحظة سياسية دقيقة، أعقبت خطاب العرش الذي أعاد التأكيد على أن التنمية لا تكتمل إلا إذا انعكست آثارها على حياة المواطنين، وأن فعالية المؤسسات تقاس بقدرتها على تحسين جودة الحياة وتعزيز الثقة في العمل العمومي.
وفي هذا السياق، تبدو أحداث سبتة تذكيرًا بأن المؤشرات الاقتصادية، مهما كانت إيجابية، لا تكتسب معناها الكامل ما لم تتحول إلى شعور ملموس بالإنصاف، وإتاحة الفرص، والقدرة على التخطيط للمستقبل.
ولا يعني ذلك أن ما وقع يمثل موقفًا عامًا للمجتمع المغربي أو أنه يعكس حكمًا نهائيًا على السياسات العمومية. فالمجتمعات لا تُختزل في حدث واحد، كما أن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا تُفسَّر بمنطق السبب الواحد.
لكن تجاهل الإشارات التي تحملها مثل هذه الوقائع قد يحرم صانع القرار من فرصة ثمينة للمراجعة والتطوير، لأن الدول القوية ليست تلك التي تخلو من الأزمات، بل تلك التي تحسن تحويلها إلى لحظات للتقييم والإصلاح.
لقد كتب المؤرخ البريطاني أن الحضارات لا تنهار بسبب التحديات في حد ذاتها، وإنما بسبب عجزها عن تقديم استجابة مناسبة لها.
ولا يتعلق الأمر هنا باستحضار مقولة تاريخية على سبيل الزينة الفكرية، بل بالتذكير بأن مستقبل الدول يتحدد غالبًا بقدرتها على قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات متراكمة.
ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفاعلين السياسيين ليس فقط: كيف نمنع الهجرة غير النظامية؟ بل أيضًا: كيف نجعل البقاء أكثر إقناعًا من الرحيل؟ وكيف نبني اقتصادًا لا يكتفي بإنتاج الثروة، بل ينتج كذلك الثقة؟ وكيف نعيد وصل الشباب بالمؤسسات، بحيث يشعر أن مشاركته في الشأن العام يمكن أن تؤثر فعلًا في مستقبله؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية أكبر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد منافسة بين الأحزاب على المقاعد، بل هي اختبار لمدى قدرة الفاعل السياسي على استعادة الثقة، وتقديم رؤية مقنعة للمستقبل.
وإذا كان المواطن يصوّت ببطاقة الاقتراع يوم الانتخاب، فإنه يصوّت أيضًا، كل يوم، بقراراته المتعلقة بالبقاء أو الرحيل، وبمدى انخراطه في الحياة العامة أو انسحابه منها. لذلك، فإن أي قراءة سياسية ناضجة لما وقع في سبتة ينبغي أن تتعامل معه باعتباره دعوة إلى الإنصات أكثر منه مناسبة لتبادل الاتهامات أو البحث عن مكاسب ظرفية.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يقود هذا النقاش إلى نظرة تشاؤمية أو إلى التقليل من المقومات التي يمتلكها المغرب. فالبلاد راكمت خلال السنوات الماضية خبرة مؤسساتية، وبنية تحتية متقدمة، وحضورًا دبلوماسيًا واقتصاديًا لافتًا، كما تمتلك موردًا لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو رأسمالها البشري. والتحدي الحقيقي لم يعد البحث عن الطاقات، بل بناء الشروط التي تجعل هذه الطاقات ترى في الوطن فضاءً طبيعيًا لتحقيق طموحاتها.
لقد دخل العالم عصرًا أصبحت فيه المنافسة بين الدول تُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
ولم تعد الثروة الحقيقية تُختزل في الموارد الطبيعية أو حجم الاستثمارات، بل في الإنسان القادر على الابتكار والإنتاج والتجديد.
ولهذا، فإن الحفاظ على الشباب، وفتح آفاق المشاركة أمامهم، وتوسيع دائرة الفرص، لم يعد مجرد ملف اجتماعي، بل أصبح جزءًا من الأمن الاستراتيجي للدول.
ولعل أهم ما يمكن أن نتعلمه من أحداث سبتة هو أن التنمية ليست مشروعًا هندسيًا فقط، بل هي مشروع لبناء الثقة. فالطرقات والموانئ والمناطق الصناعية تمنح الاقتصاد قوته، لكن العدالة، وتكافؤ الفرص، وجودة التعليم، وفعالية المؤسسات، هي التي تمنح المجتمع تماسكه.
وحين يلتقي الاثنان، يصبح الانتماء خيارًا واعيًا، لا مجرد ارتباط جغرافي.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يرافقنا بعد انقضاء هذا الحدث: أيُّ مغرب نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟ مغربًا ينجح في تشييد البنيات التحتية فحسب، أم مغربًا ينجح، قبل ذلك، في بناء الإنسان، وترسيخ ثقته، وإطلاق طاقاته؟
إن الرهان الحقيقي ليس أن نمنع الشباب من عبور البحر، فالبحار لم تمنع يومًا من يحركه اليأس، وإنما أن نبني وطنًا يجعل فكرة الرحيل أقل إغراءً من فكرة البقاء.
فالدول لا تحافظ على مستقبلها حين تُحكم إغلاق حدودها، بل حين تفتح أمام مواطنيها أبواب الأمل والعمل والإنصاف.
وعندما يصبح الإنسان هو الثروة الأكثر قيمة في القرن الحادي والعشرين، فإن الاستثمار فيه، وصون كرامته، وتعزيز ثقته، يصبح الاستثمار الأذكى في مستقبل الوطن؛ لأن من يربح الإنسان… يربح المستقبل.
