أحذية بلا أقدام

أحذية بلا أقدام

 بقلم: عبد الهادي بريويك

على الرملِ…

كانت الأحذيةُ مصطفَّةً

كأنها تُصلّي صلاةَ الوداع،

لا قدمٌ تعودُ إليها،

ولا طفلٌ يركضُ بها نحوَ بيتٍ دافئ.

خلعوا أحذيتهم،

ولبسوا البحرَ…

فالبحرُ لا يعترفُ بالأحذية،

بل يحصي الأنفاسَ الأخيرة،

ويكتب أسماءَ الغرقى

على صفحةِ الموجِ ثم يمحوها.

أيُّ قلبٍ

يستطيعُ أن يتركَ حذاءَهُ خلفَهُ

إلا قلبٌ أثقلتهُ الحاجة،

وضاقتْ به الأرضُ

حتى صار البحرُ

آخرَ نافذةٍ للحلم؟

كانت الأحذيةُ شاهدةً،

لم تتكلم،

لكنها بكتْ بصمتِ الجلدِ المتشقق،

وقالت للرمل:

“كانوا هنا…

يحلمون برغيفٍ لا يابسَ فيه،

وبغدٍ لا يُطاردُ أبناءَه.”

يا بحر،

كم أمًّا علّقتْ الدعاءَ

على موجةٍ عابرة؟

وكم أبًا

ظلَّ ينظرُ إلى الأفق

كأنه ينتظرُ عودةَ الشمسِ

من قاعِ الماء؟

هناك…

على الضفةِ الأخرى،

ربما وصلتْ بعضُ الأحلام،

لكن كثيرًا من الأسماءِ

بقيتْ معلقةً

بين السماءِ والماءِ،

لا هي عادتْ،

ولا هي وصلت.

أما الأحذية،

فما زالتْ على الشاطئ،

صفوفًا من الصمت،

تُعلّمُ الريحَ

كيف يكونُ الفراقُ

حين يخلعُ الإنسانُ وطنَهُ

قبل أن يخلعَ حذاءَه.

يا أيها العابرونَ إلى المجهول،

سامحوا هذا العالم،

فقد ضاقَ بكم

حتى اتسعَ لكم البحر.

وسامحوا الشواطئَ

التي احتفظتْ بأحذيتكم،

ولم تستطعْ أن تحتفظَ بخطواتكم.

ستبقى تلك الأحذيةُ

بلا أقدام…

لكنها ستظلُّ تمشي

في ضميرِ الإنسانية،

وتقرعُ أبوابَ القلوبِ،

حتى يستيقظَ العالمُ

ويعرفَ أن بعضَ الأحذيةِ

أثقلُ من جميعِ الخطب،

لأنها تحملُ حكاياتِ بشرٍ

لم يكونوا يبحثونَ عن الموت،

بل كانوا يبحثونَ فقط…

عن حياة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*