حين تشحذ سكاكين «شناقة الانتخابات» لذبح الديموقراطية
سياسي: رشيد لمسلم
ليست الديموقراطية مجرد صندوق اقتراع، وليست الانتخابات طقسا موسميا ينتهي بإغلاق مكاتب التصويت وإعلان النتائج.
الديموقراطية، قبل كل شيء، هي أن يدخل المواطن إلى مركز الاقتراع وهو يحمل إرادته، لا وصية أحد؛ وأن يخرج من هناك وقد مارس حقا سياديا، لا أنه نفذ صفقة أو أدى خدمة لوسيط انتخابي.
لكن ماذا يحدث حين يدخل «شناقة الانتخابات» إلى المشهد؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر خطورة.
هؤلاء لا يشتغلون بالسياسة بالمعنى النبيل للكلمة، ولا يراهنون على إقناع المواطنين بالبرامج والأفكار.
إنهم يشتغلون بمنطق السوق: كم صوتا يمكن جمعه؟ كم ناخبا يمكن التأثير عليه؟ ومن يدفع أكثر؟
إنهم سماسرة الأصوات، أولئك الذين يحاولون تحويل الناخب من مواطن كامل الحقوق إلى مجرد رقم في دفتر، ومن صاحب إرادة إلى «رصيد انتخابي» يجري تجميعه وتوجيهه يوم الاقتراع.
والأخطر أنهم لا يكتفون بالسمسرة في الصوت؛ بل يشتغلون على اختطاف الإرادة نفسها.
عندما يصبح المواطن “بضاعة انتخابية”
في مواسم الانتخابات، تظهر شبكات لا علاقة لها بالبرنامج الانتخابي ولا بالنقاش العمومي.
تختفي الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والحكامة، وتحل محلها أسئلة من نوع آخر:
- من يستطيع جلب أكبر عدد من الأصوات؟
- من يملك شبكة العلاقات الأقوى؟
- من يستطيع التأثير في هذه العائلة أو تلك الجماعة؟
- ومن يستطيع أن يقود أكبر عدد ممكن من الناخبين إلى الصندوق؟
هنا تتحول الانتخابات من تنافس بين مشاريع إلى منافسة بين شبكات.
ويصبح «الشناق» أخطر من مجرد وسيط، لأنه يقف في المنطقة الرمادية بين المرشح والناخب، ويقدم نفسه باعتباره مالكا لأصوات ليست ملكا له أصلا.
- فالناخب ليس ملكية خاصة لأحد.
- ولا يحق لأي شخص أن يتصرف في صوته كما يتصرف في بضاعة داخل متجر.
- الديمقراطية لا تُذبح دفعة واحدة
- الديمقراطية لا تموت دائما بضربة واحدة
- أحيانا تسنزف ببطء.
- تُستنزف عندما يصبح شراء الصوت أمرا “عاديا”.
- وتُستنزف عندما يصبح استغلال الفقر والحاجة وسيلة انتخابية مقبولة.
- وتُستنزف عندما يتحول الوسيط إلى لاعب أقوى من البرنامج.
- وتُستنزف عندما يعرف المرشح أنه يستطيع تعويض ضعف شعبيته بشبكة من السماسرة والوسطاء.
وفي النهاية، قد نجد أنفسنا أمام انتخابات تجري في موعدها، وصناديق تُفتح في موعدها، ونتائج تُعلن في موعدها، لكن السؤال الجوهري يبقى معلقاً:
إلى أي حد تعكس هذه النتائج الإرادة الحرة للناخبين؟
وهنا تحديدا تكمن المأساة.
فأخطر ما يمكن أن يحدث للديموقراطية ليس أن تلغى الانتخابات، وإنما أن تبقى الانتخابات قائمة بينما يجري تفريغها من مضمونها.
القانون موجود… لكن هل تكفي النصوص؟
التشريع المغربي لا يترك هذه الممارسات دون تجريم؛ فالقانون الانتخابي يتضمن مقتضيات تعاقب على التأثير في تصويت الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات أو الوعود بالمنافع، وتمتد المسؤولية إلى الوسطاء والمشاركين في هذه الأفعال.
لكن النصوص وحدها لا تصنع انتخابات نزيهة.
القانون الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يفقد جزءاً كبيراً من قوة الردع التي يفترض أن يمتلكها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك مقتضيات قانونية، وإنما:
- هل ستُطبق هذه المقتضيات بالصرامة نفسها على الجميع؟
- هل ستتم ملاحقة من يشتري الأصوات، ومن يبيعها، ومن يتوسط فيها؟
- هل ستتم حماية المواطن الذي يرفض الدخول في هذه السوق؟
- وهل سيصل القضاء والرقابة إلى الشبكات التي تقف خلف عمليات السمسرة، أم ستظل المحاسبة، إن حدثت، محصورة في بعض الواجهات الصغيرة؟
هذه الأسئلة ليست ترفا سياسيا.
إنها في صميم المعركة من أجل نزاهة الانتخابات.
“الشناق” لا يعمل وحده
من الخطأ اختزال المشكلة في شخص يقف عند باب حي أو سوق أو دوار ويجمع الأصوات.
“الشناق” جزء من منظومة أكبر.
فهو يحتاج إلى مرشح مستعد لاستخدامه، وإلى تمويل يغذي نشاطه، وإلى ناخب يمكن إغراءه أو الضغط عليه، وإلى بيئة سياسية تسمح بتحويل الانتخابات إلى موسم للمصالح الشخصية.
ولهذا فإن محاربة السمسار وحده دون تفكيك المنظومة التي تنتجه أشبه بمحاولة تجفيف بركة مع إبقاء النبع مفتوحا.
المطلوب هو الذهاب إلى المنبع.
- من يمول؟
- من يعطي الأوامر؟
- من ينسق؟
- من يستفيد؟
ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول أصوات المواطنين إلى سلعة في سوق انتخابية؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح بجرأة.
لا تقودوا المواطنين كالقطيع
أخطر ما في ظاهرة «شناقة الانتخابات» أنها تبني علاقة مشوهة بين المواطن والسياسة.
بدلا من أن ينظر إلى المواطن باعتباره شريكا في صناعة القرار، ينظر إليه باعتباره رقما انتخابيا يمكن تحريكه عند الحاجة.
- يطرق بابه في موسم الانتخابات.
- تستدعى حاجته.
- تستثمر مشكلته.
- يقدم له وعد أو منفعة.
- ثم يطلب منه أن يسير في الاتجاه المحدد.
هذه ليست ديموقراطية.
هذا أقرب إلى إدارة انتخابية للإرادة الشعبية.
والمواطن الذي يقاد إلى الصندوق تحت تأثير المال أو الضغط أو الحاجة لا يمارس بالضرورة الاختيار الذي يفترض أن تحميه الديمقراطية.
ولهذا يجب أن نقولها بوضوح:
المواطن ليس قطيعا، وصوته ليس ملكا للشناق، والانتخابات ليست سوقا موسمية للمضاربين في الفقر والحاجة.
المعركة ليست ضد «الشناقة» فقط
المعركة الحقيقية أكبر من هؤلاء.
إنها معركة ضد ثقافة سياسية كاملة تجعل الفوز أهم من الوسيلة، والنتيجة أهم من النزاهة، والوصول إلى المقعد أهم من احترام المواطن.
إنها معركة من أجل إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها تنافسا بين مشاريع، لا صراعا بين شبكات.
وإذا كان البعض يشحذ سكاكينه استعدادا لموسم انتخابي جديد، فإن المطلوب ليس فقط مراقبة السكاكين، بل منعها من الوصول إلى قلب العملية الديموقراطية.
لأن الديموقراطية لا تقتل فقط عندما تزور النتائج.
قد تُقتل قبل ذلك بكثير، عندما يُزور الطريق إلى النتيجة.
فهل ستُقطع الطريق؟
السؤال الآن ليس ما إذا كان «شناقة الانتخابات» موجودين.
السؤال هو: هل توجد إرادة حقيقية لقطع الطريق أمامهم؟
- هل ستُراقب مصادر المال؟
- هل ستُلاحق عمليات شراء الأصوات؟
- هل ستُحاسب شبكات الوسطاء
- هل ستُحمى إرادة الناخبين من الترهيب والإغراء والاستغلال؟
- وهل سنرى انتخابات يكون فيها البرنامج أقوى من المال، والفكرة أقوى من الوسيط، والمواطن أقوى من «الشناق»؟
إذا كانت الإجابة نعم، فليكن ذلك واضحا في الميدان، لا في الخطب والشعارات.
أما إذا تُركت سوق الأصوات تعمل تحت الطاولة، فإن الخطر لن يكون على مرشح أو حزب بعينه.
الخطر سيكون على الديموقراطية نفسها.
فالصندوق الذي يصل إليه الناخب حرا هو صندوق ديموقراطي.
أما الصندوق الذي يصل إليه الناخب بعد أن مر عبر شبكة من السماسرة والضغوط والصفقات، فقد يكون صندوقا انتخابيا في الشكل، لكنه يحمل في داخله سؤالا أخطر بكثير:
من الذي اختار فعلا؟ المواطن… أم «شناقة الانتخابات»؟
وعندما يصبح جواب هذا السؤال مقلقا، فاعلموا أن سكاكين الديموقراطية لم تعد بعيدة عن عنقها.
