أطفالنا خارج السيطرة !!!

 أطفالنا خارج السيطرة !!!

ذ. محمد بادرة

  الإدمان الرقمي يهدد مستقبل أسرنا وأبنائنا

من التحديات التي تواجه نظامنا التربوي تحدي الانفجار المعرفي والثورة الرقمية التي تغلغل “فيروسها” الرقمي والايديولوجي في عقولنا وعقول أطفالنا وباتت تؤثر في تفاصيل عيشنا اليومي وأصبحت تلعب دورا محوريا ك “مربّ خفي” ينافس الأسرة والمدرسة في تشكيل وعي أطفالنا واعادة هندسة سلوكياتهم، وساهمت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الاندفاع صوب القيم الأجنبية، ولم تعد التكنولوجيا الرقمية مجرد أدوات ترفيهية بل شريك منافس وقوي للأسرة والمدرسة في غرس قيم “جديدة” وبناء شخصية “بديلة” مع احداث تغيير في المفاهيم وأنماط التفكير وأنساق القيم والعادات ومعايير السلوك فحصل تفكك في بنية الأسرة وتقلصت وظائفها الى أقصى حد كما حصلت تحولات عميقة في تربية وسلوك أطفالنا بفعل تأثير مفعول “الفيروس” الرقمي الى حد “الإدمان الرقمي” فأخفقنا كآباء وأخفقنا كمؤسسة تربوية في توجيه سلوك أطفالنا، أو في الحفاظ على الرموز والقيم، أو في التكيف الايجابي مع التحولات الثقافية الكونية، وتراجعت سلطة الأسرة والمدرسة واهتزت المنظومة القيمية ونسق القيم ونظام الرموز في مجتمعنا وفي أسرتنا وتراجع التحصيل الدراسي وبالتالي لم تعد معه مؤسستي الأسرة والمدرسة قادرتين على حماية الأدوار التربوية والثقافية المنوطة بهما في المجتمع. 

في عصر التكنولوجيا الرقمية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الفائق تسللت كل أنواعها وأصنافها المعلوماتية والاتصالية الى تفاصيل حياتنا وحياة أطفالنا حتى أصبح الجميع أطفالا وآباء وأمهات.. كلنا أسرى الشاشات المضيئة التي لا تنطفئ داخل البيت وخارجه الى حد الادمان والاعتماد المفرط وغير المنضبط على الأجهزة الإلكترونية ومحتوها الرقمي – الايديولوجي.. انه العشق الممنوع !! هي ليست مجرد ظاهرة عابرة بل هو ادمان مرضي بفعل تأثير فيروس رقمي فتاك يتفاقم بصمت يفقد فيه الطفل السيطرة على وقت استخدام الأجهزة الرقمية الذكية والأنترنيت من قبيل ألعاب الفيديو التفاعلية وتطبيقات الفيديوهات القصيرة (منصات “تيك توك”- انستيغرام..) ومنصات التواصل الاجتماعي وكل انواع التطبيقات الإلكترونية المختلفة..

وكلها تخطف عقول وأذهان البالغين(الآباء) قبل اختطاف عقول وألباب الصغار (الأبناء) من أحضان واقعهم وتغريهم بالدخول الى المواقع الإلكترونية واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي مما أدى الى عزل وانعزال الأطفال عن أفراد عائلاتهم وعن البيئة المحيطة بهم والبقاء في هذه العزلة الاجتماعية لفترات أطول لتتقلص مساحات التواصل الإنساني المباشر وتتراجع عمليات التنشئة الأسرية في تشكيل القيم والسلوكات المتوارثة وبالتالي تراجع المسؤولية الأسرية خلف ضوء أزرق لا ينطفئ ولا يتلاشى ومعه يشتد الحصار و”الغزو الرقمي” على بيوتنا وغرفنا ومطابخنا وفضاءاتنا التي تأوي اطفالنا ليس بالوسائل والأجهزة الرقمية فحسب ولكن بالمحتوى الايديولوجي اللامنضبط والسريع والخطير الذي يتم تمريره عبر شبكات المعلومات والاتصالات حتى أصبحنا وأصبح أطفالنا خارج السيطرة !!!!

وبينما ينشغل العالم المتقدم بتطوير هذه الأسلحة (الناعمة) التي تغزو البيوت والمدارس وتغزو العقول والنفوس والأذهان دون قيد أو حدّ، وتتنافس هذه الدول في سباق التحول الرقمي لتحقيق السيادة التكنولوجية وتعزيز الكفاءة البشرية والسيطرة على سلاسل الامداد للتقنيات الرقمية الحديثة كالذكاء الاصطناعي..

يغيب عنا الثمن الباهض الذي ندفعه نحن وأطفالنا على استهلاك سلع وخدمات التكنولوجيا الرقمية وما تحمله من مضامين تربوية وثقافية مغايرة ونمط جديد من التفكير والسلوك.. فهاهم أطفالنا وشبابنا يعانون العزلة الاجتماعية والاضطرابات النفسية والمشكلات الصحية والجسدية والتغيرات السلوكية والمشكلات الأخلاقية لتصبح هذه الحقيقة المؤلمة واقعا يفرض نفسه على كل بيت وكل اسرة. 

فهل أصبح أطفالنا خارج السيطرة؟ هل أصبح العالم الرقمي هو من يدير أطفالنا بدلا عنا؟ هل تحولنا نحن وأبناؤنا الى أسرى في قبضته ؟ وكيف نكون قدوة لأطفالنا اذا كنا نحن أول ضحاياه؟

مع اتساع حضور المواقع والمنصات الرقمية والألعاب الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال والمراهقين برزت تحديات جديدة تتعلق بسلامتهم النفسية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية وأصبح من الضروري حماية أطفالنا ومراقبتهم في ظل ما أظهرته المعطيات والإحصائيات والمؤشرات الوطنية والدولية من ارتفاع منسوب الإدمان الرقمي وتزايد الأضرار الصحية والنفسية(ضعف النظر- السمنة وقلة الحركة- آلام الرقبة والظهر- القلق- الاكتئاب- الانطواء..) التنمر الإلكتروني.. اضافة الى خطر التعرض لمحتوى غير لائق (العنف – الجنس- المخدرات..) والعزلة الاجتماعية وضعف الحوار الأسري وتراجع مساحات التواصل الإنساني المباشر.. كل هذه الأضرار والجرائم الواقعة على الأطفال تتزايد مع اتساع حضور مجتمع الطفولة والمراهقة في المواقع والمنصات الرقمية مما يجعلهم أشخاصا غير اجتماعيين يشعرون بالوحدة والانطواء وتنتشر في صفوفهم السلوكات العدوانية حتى أصبح أطفالنا خارج السيطرة !!!

كانت الأمريكية د. كيمبرلي يونغ من أوائل أطباء علم النفس الذين عكفوا على دراسة ظاهرة الإدمان الإلكتروني منذ عام 1994 وعرفت الإدمان على الأنترنيت بأنه (استخدام شبكة الأنترنيت أكثر من 38ساعة أسبوعيا وأكثر من 06 ساعات في اليوم) كما عرفت الإدمان الإلكتروني من الناحية القانونية على أنه ( الرغبة الملحة لذى الشخص البالغ أو الطفل في تكرار سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار والتعرض لارتكاب سلوك مجرم قانونيا بنفسه أو بتحريض أو مساعدة أو تسهيل من غيره عمدا أو بجهل).

في دراسات علمية خاصة بعلم النفس التطوري عن التأثيرات البسيكو- سوسيولوجية الناجمة عن الإدمان الإلكتروني نشرت في عدد من المجلات التربوية والنفسية تشير الى أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة والذين يستخدمون بشكل خاطئ وسلبي وبإفراط التطبيقات والبرامج الرقمية هم أكثر عرضة لإظهار سلوكيات عنيفة أو غير اجتماعية مقارنة بأقرانهم، والأطفال الذين يتعرضون بشكل مستمر لتأثير ألعاب الفيديو وبرامج العنف يعانون من اضطراب عام وزيادة في التنفس وارتفاع معدلات ضربات القلب وهي حالة من اليقظة المستمرة للنظام الحسي اضافة الى مخاطر العزلة الاجتماعية والفشل الدراسي وضعف شخصية الطفل والانحدار الأخلاقي. 

الإدمان الإلكتروني هو مرض نفسي اجتماعي يحتاج الى علاج المدمن عليه بخضوعه لعلاج نفسي سلوكي بحسب كل حالة ومستوى درجة الإدمان الرقمي ونحن أمام هذا الغزو الصامت المدمّر لم يعد الصمت خيارا وانقاد الطفولة من فخ الإدمان يبدأ بوعي الأبوين المسؤولين عن الأسرة واستقرارها ثم مسؤولية المدرسة ويقظة المجتمع، فنحن بحاجة الى مراقبة أبنائنا بعيوننا واحتوائهم بقلوبنا وبحاجة لحدود رقمية تحميهم وتحمينا دون أن تعزلهم أو تعزلنا. 

انه أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة توصيف الظاهرة الى مرحلة بناء مشروع وطني متكامل يضمن كفاءة الأدوات وتنوع البرامج واتساع مساحة المسؤولية وكفاءة الآليات وصناعة الأثر وانتاج الحلول الناجعة والانتقال من منطق ردود الأفعال الى صناعة البدائل، ومن ثقافة التخويف الى ثقافة التمكين ومن الاكتفاء بتحميل الأسرة وحدها المسؤولية الى بناء شراكة وطنية متكاملة يتقاسم فيها الجميع المسؤولية ونستشعر فيها القطاعات التعليمية والإعلامية والثقافية والتشريعية والتقنية والأمنية مسؤولية حماية الطفل المغربي في البيئة الرقمية وتنظيم ضبط استخدامه للمنصات التواصلية .

 

ذ. محمد بادرة

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*