من إسلامٍ انتخابي إلى إسلامٍ أوروبي: العقل والمعرفة والروح.
كتبها: المفكر، عبد الله بوصوف
لم يعد السؤال في أوروبا هو هل يوجد الإسلام والمسلمون في المجتمع الأوروبي، بل كيف أصبح هذا الوجود جزءاً طبيعياً من المجتمع، وكيف يمكن أن ينتقل الإسلام من كونه موضوعاً متكرراً في الحملات الانتخابية إلى كونه مكوناً عادياً من مكونات الحياة الأوروبية.
فالأجيال الجديدة من المسلمين ولدت في أوروبا، وتعلمت في مدارسها وجامعاتها، وتعمل في مؤسساتها ومستشفياتها وشركاتها، وتشارك في مختلف مجالات الحياة العامة. ومن هنا فإن مسؤولية إخراج الإسلام من اللعبة الانتخابية لا تقع على السياسيين وحدهم، بل تقع أيضاً على المسلمين أنفسهم.
أولى هذه المسؤوليات أن يقدم المسلم نفسه باعتباره مواطناً كاملاً، له حقوق وعليه واجبات.
فالمسلم الأوروبي ليس ضيفاً مؤقتاً ولا جماعة تعيش على هامش المجتمع، وإنما هو جزء من تركيبته البشرية والثقافية. والمواطنة تعني المشاركة في بناء البلد، واحترام قوانينه، والمساهمة في استقراره وسلمه الاجتماعي، والشعور بالمسؤولية تجاه مستقبله.
لكن المواطنة وحدها لا تكفي لإزالة كثير من الأسئلة التي تطرحها المجتمعات الأوروبية حول الإسلام.
فهناك أسئلة حقيقية تتعلق بعلاقة المسلم بالقانون المدني، وبمفهوم المواطنة، وبالأسرة، والمرأة، والحرية الدينية، والعنف، والديمقراطية، والعلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة، وموقع المرجعية الدينية في حياة المسلمين. وهذه الأسئلة لا ينبغي أن تُترك للتأويلات السياسية أو الإعلامية، لأن غياب الإجابات الواضحة يترك مساحة واسعة للتفسير والافتراض.
وهنا تقع مسؤولية المسلمين في أن يجيبوا عن هذه الأسئلة بوضوح وهدوء، لا باعتبارهم متهمين مطالبين بتقديم دفاع عن أنفسهم، وإنما باعتبارهم مواطنين يريدون أن يكون موقعهم في المجتمع مفهوماً للجميع.
فكلما كانت الإجابات واضحة، وكلما كان الخطاب بعيداً عن الغموض والازدواجية، أصبح من الممكن بناء علاقة أكثر طبيعية بين المسلمين ومجتمعاتهم الأوروبية.
ويقدم التاريخ الفرنسي مثالاً مهماً يمكن الاستفادة منه من حيث المبدأ. ففي عهد نابليون طُرحت على ممثلي اليهود أسئلة تتعلق بالزواج وتعدد الزوجات، وبعلاقة اليهودي بفرنسا باعتبارها وطنه، وبعلاقته بالمواطنين من غير دينه، وبالسلطة الدينية وتنظيمها. وكانت أهمية هذه التجربة في أنها جعلت العلاقة بين الانتماء الديني والانتماء الوطني موضوعاً لحوار صريح ومباشر.
ولا يعني استحضار هذه التجربة أن المسلمين مطالبون بتكرارها، فالسياق التاريخي مختلف، كما أن وضع المسلمين الأوروبيين اليوم يختلف جذرياً عن وضع الجماعات الدينية في فرنسا في بداية القرن التاسع عشر.
لكن الدرس الذي يمكن استخلاصه هو أهمية أن تجيب الجماعة الدينية عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع عليها، وأن تكون هذه الإجابات مفهومة وواضحة، بحيث لا تترك فراغاً تستغله التأويلات المختلفة.
والإسلام في حد ذاته يملك من الإمكانات الفكرية والتاريخية ما يسمح له بذلك.
فهو دين عاش في مجتمعات متعددة، وتفاعل مع ثقافات وحضارات مختلفة، وأنتج تقاليد واسعة في الاجتهاد والفكر والفلسفة والتصوف.
ولذلك فإن الحديث عن «إسلام أوروبي» لا يعني إنشاء إسلام جديد، ولا قطع الصلة بين المسلمين الأوروبيين وبقية العالم الإسلامي، وإنما يعني التعبير عن الإسلام في سياق أوروبي، وفهم كيفية ممارسة المسلم لدينه داخل مجتمع متعدد، تحكمه قوانين ومؤسسات ومفاهيم حديثة للمواطنة.
وفي هذا السياق يمكن للتجربة المغربية أن تقدم مادة فكرية مهمة.
فالإسلام المغربي، في امتداده التاريخي، تشكل داخل منظومة تجمع بين المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وراكم تجربة في التوفيق بين النص والعقل، وبين الشريعة والواقع، وبين المحافظة على الثوابت والانفتاح على المجتمع.
ومن الممكن اختصار بعض أبعاد هذه التجربة في ثلاث شخصيات كبرى تمثل، كل واحدة منها، بعداً من أبعاد التفكير الإسلامي: عقلانية ابن رشد، ومعرفة ابن خلدون، وروحانية ابن عربي.
فابن رشد يمثل قدرة العقل الإسلامي على الحوار مع الفلسفة والعقل، وعلى النظر إلى التفكير العقلي باعتباره جزءاً من البحث عن الحقيقة. وابن خلدون يقدم نموذجاً لفهم المجتمع والتاريخ من خلال دراسة العمران البشري وتحولاته، بعيداً عن الأحكام السريعة والمسبقة.
أما ابن عربي فيمثل البعد الروحي والأخلاقي، حيث يصبح الإنسان مركزاً للرحمة والمحبة والتعارف، وحيث لا تتحول الاختلافات الدينية والثقافية إلى مبرر للقطيعة بين البشر.
هذه الأبعاد الثلاثة يمكن أن تكون عناصر في بناء تصور لإسلام أوروبي منفتح: إسلام يستعمل العقل، ويعرف المجتمع، ويحافظ على الروح.
فالمسلم الأوروبي ليس مطالباً بالتخلي عن هويته لكي يصبح مواطناً أوروبياً، كما أنه ليس مطالباً بالانغلاق على هويته لكي يحافظ على دينه.
التحدي الحقيقي هو بناء شخصية تجمع بين الأمرين: مسلم يعرف دينه، وأوروبي يعرف مجتمعه، ومواطن يحترم القانون، وإنسان يرى في الاختلاف مجالاً للتعارف لا للصراع.
وعندما تصبح هذه الصورة واضحة في الخطاب والممارسة، وعندما يقدم المسلمون إجابات صريحة عن الأسئلة التي تشغل مجتمعاتهم، فإن الإسلام يصبح أقل قابلية للاختزال في الشعارات الانتخابية.
فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى أن يسمع من المسلمين أنهم جزء منه، بل يحتاج إلى أن يفهم كيف ينظرون إلى المواطنة والقانون والآخر والدولة والحياة المشتركة.
ومن هنا فإن مسؤولية المسلمين ليست فقط مطالبة السياسة الأوروبية بالتوقف عن استعمال الإسلام في الانتخابات، وإنما المشاركة في بناء صورة واضحة عن الإسلام الذي يريدون أن يعيشوه في أوروبا: إسلام وسطي، منفتح، عقلاني، رحيم، يحترم القانون، ويؤمن بالمواطنة، ويبحث عن الخير المشترك.
وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لفكرة الإسلام الأوروبي: إسلاماً يستلهم عقلانية ابن رشد، ومعرفة ابن خلدون، وروحانية ابن عربي؛ إسلاماً مغربياً في جذوره وتجربته، أوروبياً في سياقه، وإنسانياً في رسالته، قادراً على أن يكون جسراً للتعارف والسلام والعدل والمحبة بين أوروبا والعالم الإسلامي.
