انتخابات المجلس الأعلى للسلطة القضائية… حين يثق الناخب في صوته، تكون المشاركة هي الجواب!
كتبها: ذ. زهير أصدور. – محام بهيئة الرباط
شهد المغرب، اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، محطة مهمة في مسار استقلال السلطة القضائية، من خلال انتخابات ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم الولاية الثالثة 2027–2031.
وقد اختتم الاقتراع بنسبة مشاركة بلغت 94.9 في المائة، بمشاركة 4439 قاضيا وقاضية من أصل 4677 مسجلا، مقابل 93.14 في المائة خلال انتخابات سنة 2021.
وهي نسبة مرتفعة تعكس انخراط الجسم القضائي في اختيار ممثليه العشرة، أربعة عن محاكم الاستئناف وستة عن محاكم أول درجة، بما في ذلك التمثيلية المخصصة للنساء القاضيات.
لكن ما يستحق التأمل، بعيدا عن هذا الاستحقاق المهني، هو المقارنة مع الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، ولم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 38.08 في المائة!
نحن أمام مفارقة لافتة: مشاركة تقارب 95 في المائة داخل الجسم القضائي، مقابل مشاركة لم تبلغ 40 في المائة في انتخابات يفترض أنها تحدد التمثيلية السياسية للأمة.
صحيح أن طبيعة الهيئتين الناخبتين مختلفة، وأن الانتخابات المهنية تجري داخل جسم محدود ومنظم، بخلاف الانتخابات التشريعية ذات الامتداد الوطني الواسع. لكن هذا الاختلاف لا يلغي السؤال السياسي الجوهري:
لماذا يقبل القضاة بكثافة على انتخاب ممثليهم، بينما يعزف معظم الناخبين المسجلين عن اختيار ممثليهم في البرلمان؟
في تقديري، إن أحد أهم مفاتيح الجواب يوجد في الثقة.
فحين يشعر الناخب بأن صوته سيحترم، وأن اختياره سيعبر عن إرادته، وأن العملية الانتخابية محكومة بضمانات جدية للنزاهة والشفافية، تتعزز لديه دوافع المشاركة.
أما حين تتراكم الشكوك حول الممارسات الانتخابية، وتتسع الهوة بين الوعود السياسية والواقع، وتضعف الثقة في المرشحين والأحزاب، فإن العزوف يصبح رسالة سياسية ينبغي فهمها، لا مجرد رقم تعالجه البلاغات الرسمية.
ولا يعني ارتفاع المشاركة القضائية إثبات انتفاء كل احتمال للخلل، كما أن انخفاض المشاركة التشريعية لا يشكل بمفرده دليلا على وقوع التزوير. لكنه يطرح بإلحاح مسألة الثقة في المؤسسات والفاعلين والعملية الانتخابية.
أما نسبة القضاة الذين لم يشاركوا، والتي لا تتجاوز 5.1 في المائة، فقد تكون وراءها ظروف شخصية أو مهنية، من مرض أو سفر أو غير ذلك، دون أن نملك معطيات تسمح بالجزم بأسباب غيابهم.
إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من انتخابات القضاة يتجاوز حدود المؤسسة القضائية نفسها: المشاركة لا تصنعها الدعوات والخطابات وحدها، بل تصنعها المصداقية والثقة في جدوى الاختيار.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية والفاعلين الانتخابيين في استعادة ثقة المواطن، من خلال تخليق الممارسة السياسية، وتجديد النخب، ومحاربة كل ما من شأنه المساس بحرية الناخب وصدقية الاقتراع.
أما على مستوى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فإن الرهان الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج، حين يصبح المنتخبون مطالبين بالدفاع عن استقلال القضاء وكرامة القاضي، وترسيخ الشفافية والإنصاف في تدبير المسار المهني للقاضيات والقضاة.
لقد قدم القضاة اليوم صورة قوية عن المشاركة المهنية. ويبقى السؤال المطروح على الطبقة السياسية: كيف نستعيد ثقة المواطن حتى يقبل على صناديق الاقتراع بالقناعة نفسها؟
إنها رسالة تستحق أن تقرأ بعناية، لأن أزمة المشاركة في جوهرها تستدعي أيضا معالجة أزمة الثقة.

