بوريطة والفيتو الروسي: لماذا اختار المغرب ألا يتراجع؟

بوريطة والفيتو الروسي: لماذا اختار المغرب ألا يتراجع؟

قراءة في حوار وزير الخارجية ناصر بوريطة مع القناة الثانية

كتبها: فيصل العراقي

أكثر ما استوقفني في حوار السيد وزير الخارجية ناصر بوريطة مع القناة الثانية ليس حديثه عن الفيتو الروسي، ولا عن انتهاء ولاية بعثة المينورسو، وإنما الطريقة التي شرح بها موقف المغرب من مشروع القرار الأمريكي داخل مجلس الأمن.

فبحسب ما أوضحه الوزير، كانت الرباط تعلم أن روسيا تتجه نحو استعمال حق النقض، ومع ذلك لم تسعَ إلى تفاديه بأي ثمن.

وهذه، في نظري، هي النقطة التي تستحق أن نبدأ منها قراءة الحوار.

كان بإمكان المغرب أن يقبل بتخفيف مضمون المشروع الأمريكي بحثًا عن توافق داخل المجلس.

وكان من الممكن أن يستمر الوضع كما كان، مع قرار جديد يمدد ولاية المينورسو ويترك الأسئلة السياسية الكبرى معلقة. لكن بوريطة قدم تفسيرًا مختلفًا لما أرادته الرباط.

حيث ان المغرب لم يكن هدفه الحصول على قرار جديد فحسب، بل الحصول على قرار يعكس التحولات التي عرفها ملف الصحراء.

هنا يظهر الفرق بين دبلوماسية تحرص على استمرار المسار، ودبلوماسية تريد أن تعرف إلى أين يقود هذا المسار.

ولعل أهم ما كشفه الحوار أن المغرب بات يعتبر استمرار العملية الأممية دون تقدم سياسي واضح جزءًا من المشكلة التي ينبغي معالجتها، لا مجرد وضع يمكن التعايش معه إلى أجل غير محدد.

حين يصبح مضمون القرار أهم من صدوره.

تحدث السيد وزير الخارجية عن اتصالاته بالجانب الروسي، وعن لقائه بسيرغي لافروف بتعليمات من الملك محمد السادس. وأوضح أن المغرب لم يدخل تلك الاتصالات وهو يجهل موقف موسكو.

ما فهمته من هذا الجزء من الحوار أن الرباط كانت أمام اختيار محسوب، لا أمام مفاجأة دبلوماسية اضطرتها إلى تغيير خططها في اللحظة الأخيرة.

وهذا لا يعني أن الفيتو الروسي لم تكن له كلفة سياسية. فقد حال دون اعتماد مشروع حظي بتأييد أحد عشر عضوًا في مجلس الأمن. لكنه يعني أن المغرب، وفق الرواية التي قدمها بوريطة، لم يكن مستعدًا للتنازل عن العناصر الأساسية للمشروع لمجرد ضمان صدوره.

في العمل الدبلوماسي، قد يبدو التوافق هدفًا بديهيًا. غير أن التوافق يفقد جزءًا من قيمته عندما يتحقق على حساب القضية التي يفترض أن يخدمها.

وهذا تحديدًا ما حاول بوريطة توضيحه.

فالمغرب، كما بدا من حديثه، لم يعد يريد قرارات تعيد إنتاج الغموض نفسه عامًا بعد عام. إنه يريد أن تكون هناك علاقة واضحة بين ما يقرره مجلس الأمن وبين الحل السياسي الذي يُفترض أن تعمل الأمم المتحدة على تحقيقه.

ومن الإنصاف القول إن هذه المقاربة لا تلغي أهمية المؤسسات الدولية ولا تجعل من الفيتو انتصارًا في حد ذاته. فالقرار لم يُعتمد، وهذه حقيقة لا ينبغي تجاوزها. لكن الحوار أظهر أن الرباط كانت تنظر إلى المسألة من زاوية أوسع من نتيجة التصويت وحدها.

لماذا عاد بوريطة إلى سنة 1991؟

حين تحدث الوزير عن المينورسو، عاد إلى السنة التي أُنشئت فيها البعثة. ولم يكن ذلك مجرد استحضار للتاريخ.

كان يريد أن يقول إن العالم الذي وُلدت فيه المينورسو ليس هو العالم الذي نعيش فيه اليوم، وإن المعطيات السياسية التي حكمت إنشاءها تغيرت خلال خمسة وثلاثين عامًا.

وقد استوقفني استحضاره للرموز المرتبطة بالاستفتاء التي ما زالت تظهر على مركبات البعثة.

بدا المثال بسيطًا، لكنه اختصر جانبًا من الرسالة التي أراد إيصالها: هناك آليات استمرت طويلًا حتى أصبحت تعكس مرحلة تاريخية أكثر مما تعكس الواقع السياسي الحالي.

وطرح بوريطة أيضًا أسئلة حول فعالية المراقبة الميدانية، وحول قدرة البعثة على أداء وظائفها في ظل التطورات التي عرفتها المنطقة منذ سنة 2020.

هذه أسئلة تستحق النقاش، بعيدًا عن اعتبار استمرار أي بعثة دولية دليلًا تلقائيًا على نجاحها.

فالمؤسسات لا تستمد قيمتها من عمرها، بل من قدرتها على أداء المهمة التي أُنشئت من أجلها.

لكن ثمة جانبًا آخر لا ينبغي إغفاله. فالمينورسو لم تكن مجرد عنوان سياسي مرتبط بالاستفتاء، بل اضطلعت أيضًا بوظائف ميدانية تتعلق بالمراقبة والاتصال.

ولذلك، فإن انتهاء ولايتها لا يحسم النزاع ولا يلغي الحاجة إلى ترتيبات تحفظ الاستقرار.

ولهذا اكتسب تأكيد بوريطة استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار أهمية خاصة.

فقد أراد، على ما يبدو، الفصل بين الاعتراض على استمرار الآلية بصيغتها السابقة وبين الالتزام بتجنب التصعيد.

وهذا تمييز ضروري، لأن تغيير الأدوات لا ينبغي أن يفتح الباب أمام فراغ أمني أو سياسي.

المغرب لا يريد العودة إلى نقطة البداية

في أكثر من موضع، أعاد بوريطة الحديث إلى المكاسب التي حققتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة.

استحضر الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، والتحول في الموقف الإسباني، والموقف الفرنسي، والدعم البريطاني لمبادرة الحكم الذاتي.

ولم يكن الهدف من استحضار هذه المواقف، كما يستشف من الحوار، مجرد التذكير بما تحقق.

إنه كان يريد أن يضع سؤالًا أمام المتابع: كيف يمكن أن تتغير مواقف دول مؤثرة بهذا الشكل، بينما تستمر العملية السياسية وكأن شيئًا لم يتغير؟

صحيح أن هذه المواقف ليست جميعها في المستوى القانوني نفسه. فالاعتراف بالسيادة يختلف عن دعم الحكم الذاتي بوصفه أساسًا للتفاوض.

لكن ما يجمعها هو أنها تعكس تغيرًا في الطريقة التي تنظر بها دول مؤثرة إلى مقترح المغرب.

وهذا هو الرصيد الذي يستند إليه بوريطة عندما يتحدث عن ضرورة مراجعة قواعد التفاوض.

فمن وجهة نظر الرباط، لم يعد منطقيًا أن تدخل المفاوضات المقبلة بالأسئلة نفسها التي طُرحت قبل عقود، وأن تبقى جميع الخيارات مطروحة بالطريقة نفسها رغم التحولات التي عرفها الملف.

 

ويمكن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا التصور، لكن لا يمكن ان نتجاهل أنه يشكل اليوم محورًا أساسيًا في الخطاب الدبلوماسي المغربي.

ما الذي يريده بوريطة من المفاوضات المقبلة؟

أعتقد أن هذا هو السؤال الأهم بعد الفيتو والمينورسو.

فالحوار لم يكن دعوة إلى إغلاق الباب أمام التفاوض. على العكس، بدا أن بوريطة يريد مفاوضات أكثر وضوحًا من حيث أساسها وأطرافها والنتيجة التي يُفترض أن تسعى إليها.

والمقصود هنا أن يكون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو المرجعية التي ينطلق منها النقاش، لا مجرد مقترح يُعاد وضعه كل مرة إلى جانب خيارات أخرى.

 

هذا ما تسعى إليه الدبلوماسية المغربية، وهو أيضًا ما يفسر إصرار الوزير على أن استمرار الاجتماعات لا يكفي إذا لم تكن هناك رؤية مشتركة لما يراد الوصول إليه.

 

وقد وجه بوريطة انتقادات إلى الجزائر بشأن دورها في المسار السياسي، معتبرًا أن جزءًا من المشكلة يكمن في التعامل مع العملية التفاوضية باعتبارها غاية في ذاتها.

 

لكن الخلاف بين الأطراف لا يتعلق فقط بشكل الاجتماعات. إنه خلاف سياسي عميق حول طبيعة التسوية نفسها. ولهذا، فإن وضوح الموقف المغربي، مهما كانت أهميته، لا يعفي من البحث عن شروط تجعل العودة إلى التفاوض ممكنة.

وهنا تبدأ المرحلة الأصعب: الانتقال من تحديد ما يريده المغرب إلى بناء مسار يمكن أن ينتج اتفاقًا قابلًا للتنفيذ.

 دلالة حديث ناصر بوريطة عن اللجنة الرابعة؟

لفت انتباهي أيضًا أن بوريطة لم يحصر حديثه عن المستقبل في مجلس الأمن، بل أشار إلى إمكان العمل داخل اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة وغيرها من الفضاءات الأممية.

هذه الإشارة مهمة لأنها تعني أن الرباط لا تنظر إلى الفيتو الروسي باعتباره نهاية الحركة الدبلوماسية.

فمجلس الأمن تحكمه قواعد خاصة، وفي مقدمتها حق النقض الذي تملكه الدول الخمس الدائمة العضوية. أما الجمعية العامة، فتتيح أشكالًا أخرى من النقاش والتصويت والتعبير عن مواقف الدول.

 

ولا يعني ذلك أن اللجنة الرابعة تستطيع أن تحل محل مجلس الأمن أو أن قرارات المؤسستين متساوية في آثارها القانونية. لكن تعدد الساحات الأممية يمنح الدبلوماسية إمكانات مختلفة للعمل.

 

وقد يكون هذا أحد الجوانب التي أراد بوريطة الإشارة إليها: إذا تعذر تحقيق تقدم داخل إطار معين، فلا ينبغي أن يتوقف التفكير السياسي عند حدود ذلك الإطار.

ما الذي خرجت به من الحوار؟

خرجت بانطباع أن بوريطة كان حريصًا على توضيح أمر واحد أكثر من أي شيء آخر: المغرب لم يصل إلى هذه اللحظة الدبلوماسية مصادفة، ولم يكن الفيتو الروسي، بحسب روايته، حدثًا خارج حساباته.

لقد أراد أن يشرح لماذا فضلت الرباط تحمل نتيجة عدم اعتماد المشروع الأمريكي على القبول بصيغة لا تحقق ما كانت تسعى إليه.

ومن هنا نفهم حديثه عن المينورسو، وعن سنة 1991، وعن المكاسب الدبلوماسية، وعن ضرورة تحديد أساس المفاوضات المقبلة. كلها أجزاء من فكرة واحدة: لا معنى للاستمرار في إدارة نزاع طويل بالأدوات نفسها إذا كانت تلك الأدوات عاجزة عن تقريب الأطراف من الحل.

 

ما أقدّره في هذا الطرح هو وضوح العلاقة التي يقيمها بين الهدف السياسي والوسيلة الدبلوماسية. فليس مطلوبًا من المغرب أن يعتبر كل تمديد أممي مكسبًا لمجرد أنه يحافظ على الوضع القائم، ولا أن يتعامل مع كل اعتراض داخل مجلس الأمن باعتباره نهاية الطريق.

 

لكن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى أكثر من وضوح الرسالة. ستحتاج إلى تصور عملي لكيفية استئناف المسار السياسي، وإلى ضمان استمرار الاستقرار الميداني، وإلى تحويل التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي إلى ترتيبات قابلة للتفاوض والتنفيذ.

وهنا سيكون الاختبار الحقيقي للمقاربة التي شرحها بوريطة.

في نهاية الحوار، لم أجد أن السؤال الأساسي هو ما إذا كان المغرب قد ربح جولة التصويت أو خسرها. فهذا تبسيط لا يساعد على فهم ما حدث.

السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل يستطيع المغرب أن يحول هذه اللحظة، بكل ما تحمله من فرص وتعقيدات، إلى بداية مسار سياسي مختلف عن ذلك الذي عرفناه طوال العقود الماضية؟

 

هذا، في اعتقادي، هو جوهر ما أراد بوريطة قوله.

وهو أيضًا السؤال الذي ستجيب عنه الدبلوماسية في المرحلة المقبلة، لا التصريحات وحدها.

 

فيصل العراقي.

مؤسس ImpactForge  

متخصص في الابتكار الاجتماعي و السياسات العامة.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*