أزمة الماء في المغرب أزمة فكر وتدبير؟
بدر شاشا
دينامية وتدبير البيئة والتنمية المستدامة
كلما اشتدت أزمة الماء في المغرب، يتجه الخطاب العام مباشرة إلى التغيرات المناخية والجفاف وقلة التساقطات. ورغم أن هذه العوامل حقيقية ولا يمكن إنكار تأثيرها، فإن اختزال أزمة الماء في المناخ وحده يبقى قراءة ناقصة لمشكل أكثر تعقيدًا وعمقًا.
إن أزمة الماء في المغرب هي، قبل أن تكون أزمة مناخ، أزمة فكر عقلاني وتدبير رشيد.
فالمناخ قد يفسر ندرة الموارد، لكنه لا يفسر دائمًا طريقة استغلالها أو هدرها أو سوء توزيعها.
فالتدبير الحديث للمياه لا يقوم فقط على انتظار نزول الأمطار، بل يعتمد على التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة الجيدة، والاقتصاد في الاستهلاك، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، وتحلية مياه البحر، وحماية الفرشات المائية، وتحديث شبكات التوزيع للحد من ضياع ملايين الأمتار المكعبة سنويًا.
كما أن جزءًا من الأزمة يرتبط بثقافة الاستهلاك.
فما زالت مظاهر تبذير المياه حاضرة في بعض الأنشطة الفلاحية والمنزلية والصناعية، رغم أن الماء أصبح موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الأمن الطاقي. لذلك فإن ترشيد الاستهلاك لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل أصبح ضرورة وطنية.
وفي المقابل، أثبت المغرب خلال السنوات الأخيرة أن الفكر الاستباقي قادر على تحويل الأزمات إلى فرص، من خلال مشاريع السدود، ومحطات تحلية مياه البحر، ومشروع الربط المائي بين حوضي سبو وأبي رقراق، الذي جسد مفهوم التضامن المائي بين الأحواض.
وهذه المشاريع تؤكد أن الحلول تبدأ بالعقل والتخطيط قبل أن تبدأ بالأمطار.
إن المستقبل يفرض الانتقال من سياسة تدبير الندرة إلى سياسة صناعة الأمن المائي، عبر الاستثمار في البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار، والرقمنة، والتربية البيئية، وتثمين كل قطرة ماء باعتبارها ثروة وطنية.
فالدول التي نجحت في مواجهة ندرة المياه لم تغيّر مناخها، لكنها غيّرت طريقة تفكيرها، وطورت وسائل تدبيرها، واستثمرت في المعرفة والابتكار.
وهذا هو الدرس الحقيقي الذي ينبغي أن يستحضره المغرب في مواجهة تحدياته المائية.
إن الماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو قضية حضارية تعكس مستوى الوعي والتخطيط والمسؤولية.
ولذلك فإن مستقبل الأمن المائي في المغرب لن تحدده السماء وحدها، بل سيحدده أيضًا الإنسان بعقله، وحسن تدبيره، وقدرته على اتخاذ قرارات استباقية تجعل من كل قطرة ماء استثمارًا في مستقبل الوطن.
فحين ينتصر الفكر الرشيد، يصبح الجفاف تحديًا يمكن التكيف معه، لا قدرًا لا يمكن مقاومته.
