المسطرة فوق الأشخاص، والمؤسسة فوق الأفراد، ومصلحة الحزب فوق كل الحسابات.
بقلم: ياسين عبدالاوي الكاتب الإقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي ببركان
لقد كانت مسطرة اختيار وكيلات اللوائح الجهوية واضحة منذ بدايتها، مرت عبر مراحل معلنة، من تقديم الترشيحات إلى لجان الترشيح والتأهيل، ثم إلى لجان البت التي اجتمعت يوم 20 غشت، قبل أن تعرض النتائج على المكتب السياسي للمصادقة.
لم يكن هناك قرار نزل من السماء، ولا اسم فرض في الظلام، ولا قواعد تغيرت في منتصف الطريق.
كان هناك مسار مؤسساتي شارك فيه المناضلون والمناضلات، وانتهى إلى قرار صادق عليه الجهاز السياسي المختص.
هكذا، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد قرار تنظيمي عابر، ولا باختيار أسماء دون غيرها، وإنما يتعلق باختبار حقيقي لمدى احترامنا للمؤسسة الحزبية، وللقواعد التي ارتضيناها جميعا، وللديمقراطية الداخلية التي لا يمكن أن تكون جميلة فقط عندما تأتي نتائجها على مقاس رغباتنا
ومن هنا، فإن الموقف المبدئي الذي ينبغي أن يجمعنا جميعا بسيط وواضح: المسطرة لا تكون شرعية عندما تمنحنا ما نريد، وتصبح غير شرعية عندما لا تمنحنا ما نريد.
فمن حق أي مناضلة أو مناضل أن يناقش، وأن ينتقد، وأن يعبر عن عدم رضاه، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من المؤسسة رهينة لنتيجة شخصية، أو أن يحول خلافا حول الترشيح إلى تشكيك في شرعية الحزب ومؤسساته.
إن احترام المسطرة ليس انتصارا لشخص على شخص، ولا لمرشحة على أخرى.
إنه انتصار لفكرة الحزب نفسه. لأن الحزب الذي تصبح فيه القواعد قابلة للتغيير تحت ضغط الطموحات الفردية، يفقد تدريجيا معنى المؤسسة، ويصبح تنظيما تحكمه موازين الأشخاص بدل منطق القانون الداخلي والديمقراطية.
والأهم من ذلك أن محطة الترشيحات الجهوية أظهرت أن المناضلات الاتحاديات لم يكن مجرد أسماء تنتظر قرار يصدر عنها، بل كن شريكات في العملية الديمقراطية منذ بدايتها.
تنافسن، وقدمن ترشيحاتهن، ودافعن عن اختياراتهن وقناعاتهن، وشاركن في المسار الذي أفضى إلى النتائج. ولذلك فإن احترام مخرجات المسطرة ليس إخضاعا للمناضلات، وإنما احترام لمشاركتهن واختياراتهن والتزامهن بالقواعد التي ساهمن في إنجاحها.
وإذا كانت النتيجة قد أرضت البعض ولم ترض البعض الآخر، فإن ذلك أمر طبيعي في كل تنافس ديمقراطي. الديمقراطية لا تعني أن يفوز الجميع، وإنما تعني أن يقبل الجميع بنتائج القواعد التي وافقوا عليها قبل بدء المنافسة. ومن لم يحالفها التوفيق اليوم، لا ينبغي أن تنظر إلى نفسها باعتبارها خارج المشروع؛ فالمناضلة التي لم تحملها المسطرة إلى واجهة الترشيح تظل جزءا أصيلا من الحزب، ودورها لا ينتهي بانتهاء المنافسة، بل يبدأ من لحظة تحويل الاختلاف إلى طاقة للتعبئة والانتصار الجماعي.
أما حين يتحول الاعتراض على النتيجة إلى استهداف للمؤسسات أو تشكيك في نزاهة اللجان وأعضائها، فإن الأمر يتجاوز حدود الاختلاف المشروع.
وهنا يصبح الحسم ضرورة وليس خيارا.
فالمؤسسة التي لا تحمي قواعدها تفقد هيبتها، والحزب الذي يسمح بنقض التزامات أعضائه كلما تعارضت النتائج مع طموحاتهم، يبعث برسالة خطيرة إلى مناضليه وإلى الرأي العام: مفادها أن القاعدة قابلة للتفاوض، وأن الالتزام بها مؤقت، وأن المؤسسة تصبح ملزمة فقط عندما تخدم المصالح الفردية.
نحن في الاتحاد الاشتراكي لا نريد حزبا يدار بمنطق الأشخاص، ولا حزبا ترسم قواعده وفق ميزان القوة أو ضغط اللحظة.
نريد حزبا تكون فيه المؤسسة أقوى من الأشخاص، والقانون الداخلي أقوى من الحسابات، والمصلحة الجماعية أعلى من الطموح الفردي.
لقد حان الوقت لنقول الأمور بوضوح، دون مواربة: من حقنا جميعا أن نختلف، لكن ليس من حقنا أن نهدم البيت الذي يجمعنا بسبب اختلافنا.
ومن حقنا أن نطمح إلى الترشح، لكن ليس من حق طموحنا أن يصبح فوق قرار الحزب. ومن حقنا أن ننتقد، لكن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى نسف للثقة في المؤسسات.
إن الانتخابات التشريعية المقبلة في 23 شتنبر 2026 ليست موعدا لتصفية الحسابات الداخلية، ولا مناسبة لإعادة إنتاج الخلافات التنظيمية أمام الرأي العام.
إنها معركة سياسية يحتاج فيها الحزب إلى كل طاقاته، وإلى كل مناضلاته ومناضليه، وإلى كل من يؤمن بأن الاتحاد الاشتراكي قادر على استعادة موقعه ودوره وتأثيره.
ولذلك، فإن المرحلة تفرض علينا أن نرفع أعيننا من خلافات الأسماء إلى رهانات المشروع، وأن ننتقل من سؤال: من ترشح؟ إلى سؤال أكبر: كيف ننتصر للحزب؟.
فالمرشحة التي أفرزتها المسطرة لا ينبغي أن تكون مرشحة مجموعة، وإنما مرشحة الحزب بأكمله، ومن لم تكن مرشحة اليوم لا ينبغي أن تتحول إلى خصم لها، بل إلى سند لها، لأن المعركة الحقيقية ليست بين الاتحاديات، وإنما بين مشروعنا السياسي وبين خصومه.
إن قوة الاتحاد الاشتراكي لم تكن يوما في غياب الاختلاف، بل في قدرته على تدبير الاختلاف داخل المؤسسات.
ولن يكون مستقبل الحزب مضمونا إذا أصبح كل استحقاق مناسبة لإضعاف الثقة في التنظيم.
وحدتنا لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما تعني أن نختلف داخل المؤسسة، ثم نحتكم إلى قرارها، ونلتزم به جميعًا.
اليوم، نحن أمام مسؤولية تاريخية: إما أن نكرس ثقافة المؤسسة ونضع المسطرة فوق الأشخاص، وإما أن نفتح الباب أمام منطق يجعل كل نتيجة غير مرضية سببًا للطعن والتشكيك والانقسام. والاختيار بالنسبة لنا واضح ولا يحتاج إلى تردد: الاتحاد الاشتراكي أكبر من كل الأسماء، وأقوى من كل الطموحات الفردية، ومستقبل الحزب لا يمكن أن يكون رهينة لنتيجة ترشيح.
فلنضع خلافاتنا جانبا، ولنلتف حول قرارات مؤسساتنا، ولنمنح مرشحات ومرشحي الحزب كل الدعم اللازم. فالمعركة الانتخابية لا تنتظر، والتاريخ لا يكتب أسماء من انسحبوا احتجاجا على نتيجة لم تعجبهم، بل يذكر من امتلكوا شجاعة الالتزام بالمؤسسة عندما كان الالتزام أصعب من الاعتراض.
