هلوسة الوجود

*هلوسة الوجود*

 

حين يسود السكون، ويسدل الليل خُرَاشِيفَه الثقيلة حول الكون، فيعمّ صمتٌ يكاد يكون أكثر حضورًا من الضجيج نفسه، يحدث شيء غريب: ينسلخ عنك، بالتدريج، كل ما هو مادي، كل ما اعتدت أن تستند إليه لتؤكد أنك موجود. الأسماء، الصفات، الممتلكات، الأدوار، العلاقات، وحتى تلك الصورة التي قضيت عمرك في بنائها أمام الآخرين… تتراجع كلها إلى الخلف، وتجد نفسك، للمرة الأولى، عاريًا أمام حقيقتك.

هناك، عند تخوم الصمت، تقف أمام صراط من عدم؛ ليست تلك لحظة خوف بقدر ما هي لحظة انكشاف، ساعة الوعي بالذات حين تستيقظ في داخلك كل التناقضات دفعة واحدة: الحقائق إلى جوار الترهات، الذكريات إلى جانب الرغبات، اليقين في مواجهة الشك، وما كنت تظنه وعيًا قد يكون مجرد بناء آخر من أبنية الوهم.

هنا تحديدًا، حيث تلتقي الأفكار والذكريات في نقطة غامضة لا يمكن تسميتها، يبدأ السؤال الذي لا يترك صاحبه كما كان: هل نحن موجودون لأننا نشعر؟ أم لأننا نفكر؟ أم لأننا نمتلك القدرة على أن نسأل عن وجودنا أصلًا؟ وربما يكون السؤال الأكثر قسوة: ماذا لو كان وجودنا ذاته ليس سوى ظلٍّ يتراقص على جدران كهف أفلاطوني هائل، ونحن لا نرى الحقيقة، بل نرى انعكاسًا عنها ونمنحه اسم الحقيقة؟

إثبات الذات، في ظاهره، يبدو انتصارًا على العالم، لكن كلما تعمّق الإنسان في وعيه، اكتشف أن إثبات الذات ليس مجرد أن تقول للعالم: أنا هنا، بل أن تصل إلى مرحلة لا تعود فيها بحاجة إلى أن تقول ذلك لأحد.

نحن نعيش في عالم يطلب الأدلة باستمرار.

نُثبت أنفسنا بما ننجز، بما نملك، بما نصل إليه، بما نتركه خلفنا من آثار.

نكدّس الشهادات والنجاحات والمواقع والاعترافات، ثم نقنع أنفسنا بأن كل ذلك دليل على أننا كنا هنا فعلًا.

لكن ماذا لو كانت الإنجازات، في نهاية الأمر، ليست سوى انعكاسات أنيقة لوهمٍ أكثر عمقًا؟ ماذا لو قضينا العمر كله في محاولة إثبات وجودنا، بينما كان المطلوب منا فقط أن نفهمه؟ ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن الإنسان كلما راكم المزيد من الأشياء التي تثبت وجوده في العالم، اقترب أكثر من اكتشاف هشاشة هذا الوجود؛ فنحن لا نملك الحياة، نحن نعبر فيها، ولا نمتلك الزمن، نحن نُستهلك داخله، ولا نعرف الحقيقة، بل نقترب منها بقدر ما نتعلم الشك في الأشياء التي ظننا أننا نعرفها.

وهنا تبدأ هلوسة الوجود.

ليست هلوسة بالمعنى المرضي للكلمة، وإنما تلك المنطقة الغامضة التي يصبح فيها الوعي شديد الحساسية إلى درجة يعجز معها عن التمييز بسهولة بين ما هو موجود في الخارج وما يتشكل في الداخل.

لحظة يصبح فيها الواقع نفسه سؤالًا، ويصبح الوعي مرآةً لا نعرف إن كانت تعكس العالم أم تعيد اختراعه.

في تلك اللحظة قد يبدو كل شيء حقيقيًا وكل شيء قابلًا للشك في آن واحد.

الكرسي الذي نجلس عليه حقيقي، نعم، لكن معنى وجوده في وعينا يظل سؤالًا؛ والذاكرة التي نحملها حقيقية، نعم، لكن هل نحن نتذكر الماضي، أم نتذكر النسخة التي صنعها وعينا عن الماضي؟ وحتى نحن أنفسنا، أيُّ نسخة منا هي الحقيقية: تلك التي نعيشها في الداخل، أم تلك التي يراها الآخرون، أم تلك التي نحاول إقناع أنفسنا بأنها نحن؟ ربما لا توجد ذات واحدة؛ ربما نحن فسيفساء من ذوات متعاقبة، تتشكل مع كل تجربة، وتنقض مع كل صدمة، وتعيد بناء نفسها مع كل وعي جديد.

 

ولهذا، فإن الوجود ليس حالة مغلقة، وإنما هو انفتاح دائم على اللانهاية؛ شعور غريب بالارتباط بكل شيء وباللاشيء في اللحظة نفسها، أن تكون حاضرًا بكامل وعيك، وفي الوقت ذاته تشعر بأن حضورك ليس إلا نقطة عابرة في كون لا يكترث لوجودك.

إنها لحظة من جنون الإدراك، حين يصبح الوعي نفسه عبئًا جميلًا، وحين نكتشف أن أعظم ما منحنا إياه العقل ليس القدرة على معرفة الحقيقة، وإنما القدرة على إدراك أننا قد لا نعرفها أبدًا. وهنا، ربما، يبدأ النضج الحقيقي.

 

فإثبات الذات ليس في أن تبلغ المكان الذي يصفق لك فيه الجميع، ولا في أن تُخضع العالم لصورتك، ولا في أن تجعل الآخرين يعترفون بأهميتك؛ بل إن إثبات الذات، في أرقى تجلياته، هو أن تبلغ من الوعي ما يجعلك قادرًا على قبول الأشياء وفهمها ثم التسامي فوق الحاجة إلى السيطرة عليها، وأن تعرف من أنت دون أن تضطر إلى شرح نفسك باستمرار، وأن تفهم ضعفك دون أن يتحول إلى عقدة، وأن تعترف بجهلك دون أن تعتبره هزيمة، وأن تستطيع الوقوف بين اليقين والشك دون أن تسقط في أحدهما.

 

فالحقيقة، ربما، لا توجد في الطرف الذي يصرخ أكثر، ولا في الطرف الذي يمتلك أكثر، ولا حتى في الطرف الذي يعتقد أنه يعرف أكثر.

 

الحقيقة قد تكون في تلك المسافة الهادئة بين اليقين والشك، بين الفعل والتأمل، بين الوجود والعدم.

 

لذلك أجدني أعود دائمًا إلى سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في داخله هاوية كاملة: لماذا نحن موجودون؟ وربما تكون الإجابة الأكثر إثارة للقلق هي أننا لا نوجد لأننا اخترنا الوجود، ولا لأننا أثبتناه، ولا لأننا نملك تفسيرًا له؛ نحن موجودون لأننا، ببساطة، لا نستطيع أن نكون غير ذلك. ومن هنا تبدأ المفارقة.

 

فالإنسان الذي قضى حياته في مقاومة العدم، قد يكتشف في لحظة صفاء نادرة أن العدم لم يكن نقيض وجوده أصلًا، بل كان خلفيته الصامتة.

 

وأن الموت لم يكن بالضرورة عكس الحياة، بل كان الحد الذي يمنحها معناها.

 

وأن الشك لم يكن عدو الحقيقة، بل ربما كان أول أبوابها.

 

وأن ما نسميه «واقعًا» قد لا يكون سوى اتفاق جماعي طويل الأمد على تسمية الأشياء، بينما الحقيقة في مكان أعمق بكثير من اللغة، والمادة، والصورة، والاعتقاد.

 

لهذا، ليست الحقيقة محطة نصل إليها، بل رحلة لا تنتهي، وكلما ظننا أننا اقتربنا منها اكتشفنا أن ما وصلنا إليه ليس الحقيقة ذاتها، بل طبقة أخرى من السؤال.

إنها فسيفساء لا تكتمل، قطعة من ذاكرة، وأخرى من تجربة، وثالثة من ألم، ورابعة من رغبة، وخامسة من وهم، ثم تلك القطعة الصغيرة النادرة التي نسميها وعيًا.

 

وفي النهاية، ربما لا يكون أعظم اكتشاف للإنسان أن يعرف من يكون، وإنما أن يدرك كم من الأشياء التي اعتقد طوال حياته أنها «هو» لم تكن سوى أقنعة مؤقتة لوعي يبحث عن نفسه.

 

ربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى الليل، إلى الصمت، إلى العزلة، إلى تلك اللحظة التي يتوقف فيها العالم عن النظر إلينا فنضطر للمرة الأولى إلى النظر إلى أنفسنا.

هناك فقط، حين يسقط كل شيء، قد نكتشف أن ما كنا نسميه طوال الوقت إثباتًا للذات لم يكن سوى خوف عميق من مواجهة هشاشة الوجود. وحين نتوقف عن الخوف من تلك الهشاشة، يحدث شيء أشبه بالتحرر: لا نعود بحاجة إلى إثبات أننا موجودون، نكتفي بأن نكون. وربما، في تلك اللحظة بالذات، تبدأ الحقيقة.

 

بقلم : نادية واكرار

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*