ملعقتان، وقمرٌ يبكي: في شعرية “تلك الملعقة… طفل… ليلة بكى القمر” لعبد الرحمن بوطيب

     ملعقتان، وقمرٌ يبكي:

في شعرية “تلك الملعقة… طفل… ليلة بكى القمر” لعبد الرحمن بوطيب

                                 آمال بن الطاهر

                                باحثة وناقدة مغربية

  1. باب القصة بابان، لا باب واحد:

القصة لا تبدأ من حيث تُخبرنا أنها تبدأ.

عبد الرحمن بوطيب يفتح نصّه بمقطعٍ شعري مكثّف عن الجوع والملعقة الذهبية، ثم يقطعه فجأةً بصوتٍ آخر يقول: “الآن يحكي”، وكأن القصيدة كانت مجرد تمهيدٍ موسيقي على آلةٍ تُشدّ أوتارها قبل أن يبدأ العزف الحقيقي.

هذا الانتقال من ضمير غائبٍ مجرّد إلى “أنا” الساردِ الكاتب هو أول علامةٍ على أن النص لن يكتفي بأن يُروى، بل سيُعلن عن نفسه وهو يُروى. فالراوي لا يقول: “كان يا ما كان”، بل يقول: “أنا صديقكم الكاتب الذي لم يكتب في حياته قصةً أعجبتكم” — جملةٌ تسخر من ذاتها قبل أن تبدأ، وتُنزل الكاتبَ من عرش السلطة السردية إلى مقعد الضيف الثقيل الذي يعتذر سلفاً عن الإطالة. هذه المفارقة الافتتاحية ليست تواضعاً مجانياً، بل هي تكتيكٌ يهيّئ القارئ لنصٍّ لن يسير في خطٍّ مستقيم، ولن يحترم مسافةً آمنة بين من يحكي ومن يُحكى له.

  1. الملعقتان — حين يتحول الشيء إلى قدر:

يقوم جوهر القصة على ثنائيةٍ بصرية بسيطة في ظاهرها، هائلة في مضمونها: ملعقةٌ صفراء من ذهب، وملعقةٌ سوداء عوجاء. لا يشرح النص هذه الثنائية بلغة الخطابة الاجتماعية، بل يتركها تتجسّد في يدين صغيرتين: يد طفلٍ يملك بيتاً “عامراً” ودميات “شقراوات لذيذات”، ويد طفلٍ آخر لا يملك سوى الوقوف عند الباب، ممنوعاً من الاقتراب من مائدة الطعام كي “لا يَسُدّ شهيّة” صاحب البيت.

هنا تكمن حرفية بوطيب: هو لا يكتب قصةً عن الفقر والغنى، بل يكتب عن أداةٍ صغيرة تُستخدم فيها الملعقة استعارةً كاملة عن توزيع الحظوظ في العالم — “أرزاقٌ يا ولدي، وقد قسمها الله بين العباد بقسطاس”، تقول الأم، في جملةٍ تحمل كل ثقل الاستسلام الشعبي للقَدَر، لكن القصة سرعان ما تُطيح بهذا الاستسلام حين تُعيد تعريف السواد لا بوصفه نقصاناً بل بوصفه صلابة: “هي مثل الملعقة السوداء، قوية”. وفي نهاية النص تنقلب المعادلة كليّاً حين يرفض الطفل نفسه الملعقة الذهبية ويختار “ملعقته السوداء” طوعاً — تحوّلٌ دقيق يجعل الرمز يقفز من كونه علامة حرمان إلى كونه علامة هوية مُختارة.

  1. حين تلتقي عشتار بعيشة قنديشة:

أكثر ما يكشف عن شعرية النص هو ذلك المفصل الذي تنسلّ فيه الأسطورة الرافدية — أدونيس، عشتار، أفروديت، فينوس — لتتصافح بلا استئذانٍ مع الموروث الشعبي المغربي: هينة والغول، سيدنا علي ورأس الغول، سيف بن ذي يزن، عنترة، وعيشة قنديشة نفسها التي يُقال عنها صراحةً إنها “هي عشتار، أفروديت، فينوس”. هذا التماهي بين الأسطورة الكلاسيكية والخرافة المحلية ليس زخرفاً ثقافياً استعراضياً، بل هو إعلانٌ ضمنيٌّ بأن الحكاية الصغيرة لطفلٍ فقير في حيٍّ مغربي تنتمي إلى سلالةٍ من الحكي أقدم من الجغرافيا نفسها.

القمر الباكي الذي ينتظر أدونيس، والشيخ الطيب الذي يزرع النعناع والحناء بانتظار عودة الخصب، كل هذا يُترجم حرمان الطفل المادي إلى رحلةٍ رمزية أوسع: بدل الملعقة الذهبية، يُهدى الطفلُ رفقةَ القمر وميعاداً مع عشتار. وهنا تتجلى إحدى أعمق حيل الشاعر حين يكتب قصةً: أن يُعوّض الفقدَ الواقعي بمجازٍ كوني، لا ليُخفي الفقد، بل ليمنحه بعداً لا تبلغه لغة الشكوى المباشرة.

  1. القصيدة تتسلل من تحت الباب:

يكفي أن نتأمل هذا المقطع: “سيرة تحكي عن عنترة يحاور الفرسَ / تروي ملحمة عيشة قنديشة / تحفر القبور / تقص عن عليٍّ يقطع رأس الغول…” لنكتشف أن السرد هنا يتخلى فجأةً عن جملته المسترسلة ويتقطّع إلى أسطر قصيرةٍ متوازنة الإيقاع، أقرب إلى قصيدة النثر منها إلى الحوار الروائي. بوطيب لا يُقحم الشعر على القصة إقحاماً، بل يجعله يظهر في اللحظات التي يعجز فيها الكلام العادي عن حمل المعنى؛ عند الحديث عن الأسطورة، وعند وصية الأم الأخيرة، وعند غناء الحي بمناسبة نجاح الطفل: “طالب، طالب يا يّو / أَ فرحة مّو مّو”.

هذه الانزياحات من النثر إلى شبه الشعر ليست فواصل زخرفية، بل نبضاتٌ عاطفية يتوقف عندها السرد ليلتقط أنفاسه، تماماً كما يتوقف المرء عند لحظة تأثرٍ حقيقي فيلجأ فجأةً إلى صيغةٍ أكثر إيقاعاً مما اعتاد الكلام به.

  1. التكرار كجرسٍ لا كإسهاب:

لاحِظ كيف تتكرر عبارة “تخرج مع الفجر، لا تعود إلا بعد صلاة عشاء” أكثر من مرة في سياقاتٍ متقاربة.

في القصة التقليدية، قد يُحسب هذا التكرار حشواً. لكنه هنا يعمل عمل اللازمة الموسيقية (refrain): كل مرة يتكرر فيها الجرس، يزداد القارئ وعياً بثقل الزمن الذي تقضيه الأم بعيدةً عن ابنها، وكأن الجملة ذاتها تتحول إلى ساعةٍ رتيبة تدق كل يوم من الفجر إلى العشاء. وهذا ما يفعله الشاعر الحقيقي حين يكتب سرداً: لا يخاف التكرار، بل يستثمره ليصنع نبضاً تحت جلد النص، أشبه بقافيةٍ داخلية لا تُرى لكنها تُسمع.

  1. من يحكي فعلاً؟ التباس الأنا والآخر:

من أكثر تفاصيل النص إرباكاً ودهاءً في آنٍ أن الراوي، بعد أن يتحدث عن طفولته الخاصة مع أبيه والأسفار الصفراء، يعلن فجأةً أنه يبحث عن “طفلٍ لم أره في حياتي” ليكتشف لاحقاً أنه لا يجده إلا في ذاكرته.

هذا الالتباس المتعمد بين “أنا” الراوي و”هو” الطفل الغريب يجعل القارئ عاجزاً عن حسم الفصل بينهما: هل الطفل صاحب الملعقة السوداء هو الراوي نفسه متنكراً في ضمير الغائب؟ أم هو استدعاءٌ لطفولةٍ أخرى مجاورة اختلطت بطفولته؟ بوطيب لا يجيب، ولا يريد أن يُجيب، لأن غموض هذه الحدود هو بالذات ما يمنح القصة نفَسها الشعري: فالشعر لا يُحب الحدود القاطعة بين الذات والآخر، بل يستثمر تسرّبهما في بعضهما ليقول إن كل طفلٍ محروم هو، بشكلٍ ما، امتدادٌ لكل طفلٍ آخر عرف الحرمان نفسه.

  1. خاتمة/ نهاية تعود إلى نقطة السخرية الأولى:

وأخيراً، حين يُغلق بوطيب نصّه، لا يفعل ذلك بجملة ختامية جازمة، بل يعود إلى الصوت الافتتاحي نفسه: “أنا الكاتب… لا أعتذر”، ثم يُحيل القارئ، إن ملّ، إلى “نوادر جحا الكبرى” — أي إلى شخصية الحكّاء الشعبي الماكر الذي يُخفي حكمته وراء قناع السخرية من ذاته.

هذه الدائرية بين الافتتاح والختام تجعل القصة تلتفّ على نفسها كحلقةٍ لا كخط: تبدأ بكاتبٍ يعتذر عن كونه ضيفاً ثقيلاً، وتنتهي بكاتبٍ يرفض الاعتذار لكنه يُحيل القارئ إلى تراثٍ من الحكي الساخر، وكأن القصة كلها لم تكن سوى استراحةٍ جادة بين نادرتين من نوادر جحا، جِدّها مغموسٌ بلعبٍ لا يخلو من مرارة.

خلاصة: أين تكمن شعرية هذه القصة تحديداً؟

لا تكمن شعرية بوطيب هنا في تزيين الجملة بصورٍ بلاغية عابرة، بل في بنية القصة كلها: في رمزٍ واحد (الملعقة) يُدار عليه النص كاملاً من دون أن يُشرح، وفي أسطورةٍ عابرة للحدود تُستدعى لتحمل ما يعجز الواقع عن حمله، وفي إيقاعٍ يتكرر كلازمةٍ موسيقية، وفي راوٍ يرفض أن يستقر في هويةٍ واحدة أو نبرةٍ واحدة، بين الجدّ والسخرية، بين الأنا والآخر، بين النثر والشعر. إنها قصةٌ تُثبت أن “شعرية القصة” ليست إضافةً على السرد، بل طريقةٌ في النظر إلى التفاصيل الصغيرة ؛ ملعقة، قمرٌ، حكاية جدة؛ بوصفها أبواباً إلى ما هو أكبر منها بكثير.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*