احتضنت كلية العلوم والتقنيات بمدينة طنجة، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، مناقشة أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم وتقنيات المهندس، تخصص الجيولوجيا التطبيقية، تناولت تقييم التعرية المائية للتربة وتحليل العوامل المتحكمة في ديناميتها بالجزء البري من منتزه الحسيمة الوطني وأحواضه المائية الرئيسية بالريف الأوسط المغربي.
وقد توجت هذه المناقشة بمنح الباحث ميزة «مشرف جدًا»، مع تنويه وتهنئة من لجنة المناقشة، تقديرًا للقيمة العلمية للعمل وأهمية نتائجه في فهم تحديات حماية التربة وتدبير الموارد الطبيعية بالمناطق الجبلية.
وتكتسي هذه الأطروحة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط موضوعها بإحدى الإشكاليات البيئية التي تواجه المجال الريفي، حيث تتضافر وعورة التضاريس وهشاشة التكوينات الجيولوجية وتدهور الغطاء النباتي مع الضغوط البشرية لتسريع وتيرة انجراف التربة، بما ينعكس على استقرار النظم البيئية واستدامة الموارد الطبيعية.
ومن هذا المنطلق، سعى البحث إلى تقديم قراءة علمية دقيقة لواقع التعرية المائية داخل منتزه الحسيمة الوطني، مع التركيز على أحواض بوسكّور وبادس وبني بوفراح، باعتبارها مجالات ترابية تتباين خصائصها الطبيعية، لكنها تتقاطع في تعرضها لمخاطر فقدان التربة وتدهور بنيتها.
واعتمدت الدراسة مقاربة متعددة التخصصات جمعت بين التحاليل الفيزيائية والكيميائية لعينات التربة، والنمذجة الجيوماتية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، إلى جانب قياسات القابلية المغناطيسية للتربة، بهدف تشخيص خصائصها وتحديد مستويات حساسيتها للتعرية. كما استندت إلى نموذج PAP/CAR لتقييم مخاطر التعرية المحتملة والراهنة، وإلى نموذج EPM لتقدير كميات التربة المفقودة سنويًا، مع الاستعانة بالقياسات المغناطيسية المنجزة على مقاطع ترابية من المجالات الأربعة للتحقق من النتائج وتعزيز موثوقيتها.
وأظهرت النتائج أن التعرية المائية تمثل تحديًا بيئيًا بارزًا داخل منتزه الحسيمة الوطني، إذ كشف التقييم المعتمد على نموذج PAP/CAR أن 71,26 في المائة من مساحته معرضة لمخاطر تعرية مرتفعة إلى مرتفعة جدًا، فيما تبلغ نسبة المجالات غير المستقرة فعليًا 92,26 في المائة، مع هيمنة واضحة للتعرية الصفائحية التي تعمل على إزالة الطبقات السطحية للتربة بصورة تدريجية.
كما بينت تقديرات نموذج EPM أن نحو 67 في المائة من مساحة المنتزه تسجل معدلات فقدان للتربة تتراوح بين 20 و80 طنًا للهكتار سنويًا، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تتعرض له التربة ومدى حساسيتها للتغيرات الطبيعية والموسمية.
وعلى مستوى الأحواض المائية المدروسة، كشفت المعطيات عن تفاوت في درجات التعرض للتعرية، مع استمرار انتشار مظاهر عدم الاستقرار الترابي.
ففي حوض بوسكّور، تغطي فئات التعرية المحتملة المرتفعة إلى المرتفعة جدًا 77,82 في المائة من المساحة، بينما تبلغ نسبة المجالات المتأثرة بالتعرية الفعلية 97,59 في المائة، وتستحوذ التعرية الصفائحية وحدها على 86,23 في المائة من الحوض.
كما تشير التقديرات إلى أن معدلات فقدان التربة تتراوح، في معظم المجال، بين 10 و40 طنًا للهكتار سنويًا، بما يعكس دينامية تعرية تتراوح بين المتوسطة والقوية، تتغذى من تضافر الانحدارات الشديدة وهشاشة الصخور وتراجع فعالية الغطاء النباتي في حماية التربة.
أما حوض بادس، فقد برز ضمن المجالات الأكثر حساسية للتعرية المائية، حيث تمثل المناطق ذات المخاطر المحتملة المرتفعة إلى المرتفعة جدًا 53,22 في المائة من مساحته، في حين تبلغ نسبة الأوساط غير المستقرة 88,40 في المائة. وتظل التعرية الصفائحية الشكل الأكثر انتشارًا، بنسبة تصل إلى 83,38 في المائة، مع تسجيل مظاهر محلية للتعرية الأخدودية والخندقية.
وتؤكد تقديرات فقدان التربة خطورة الوضع، إذ تسجل نحو 74 في المائة من مساحة الحوض معدلات تتراوح بين 20 و80 طنًا للهكتار سنويًا، في ظل تأثير الانحدارات القوية وهشاشة التربة ومحدودية قدرة الغطاء النباتي على الحد من انجرافها.
وفي حوض بني بوفراح، أظهرت النتائج بدورها استمرار الضغط التعرَوي، حيث تغطي فئات التعرية المحتملة المرتفعة إلى المرتفعة جدًا 52,12 في المائة من المساحة، فيما تصل نسبة المجالات غير المستقرة إلى 81,51 في المائة. وتبرز التعرية الصفائحية باعتبارها النمط السائد، في مقابل تطور موضعي لأشكال التعرية المركزة، ولا سيما الأخاديد والخنادق، بالمناطق ذات الانحدارات القوية والغطاء النباتي المتدهور.
كما تشير التقديرات إلى أن حوالي 78 في المائة من مساحة الحوض تعرف فقدانًا سنويًا للتربة يتراوح بين 20 و80 طنًا للهكتار، بما يعكس تفاوتًا مكانيًا في شدة التعرية، دون أن يقلل ذلك من أهمية المخاطر التي تهدد استقرار التربة على المدى البعيد.
وتؤكد هذه النتائج أن التعرية المائية في منتزه الحسيمة الوطني وأحواضه المائية ، هي حصيلة تفاعل معقد بين الخصائص الطبوغرافية والتكوينات الصخرية والظروف المناخية ومستوى تدخل الإنسان في المجال.
كما تبرز أهمية اعتماد أدوات علمية متكاملة تجمع بين التحليل الميداني والنمذجة المكانية والتحقق من المؤشرات الترابية، بما يسمح بتحديد المناطق الأكثر هشاشة وتوجيه التدخلات البيئية وفق أولويات واضحة ومعطيات دقيقة.
وتتجاوز القيمة العلمية لهذا العمل حدود التشخيص والتقييم الكمي لمخاطر انجراف التربة، لتفتح المجال أمام التفكير في حلول عملية ومستدامة لحماية الموارد الترابية، من خلال استعادة الغطاء النباتي، والحد من الممارسات التي تسرّع التدهور، وتعزيز تدبير المجال الجبلي وفق مقاربة تراعي خصوصياته الإيكولوجية والاجتماعية والاقتصادية.
كما يمكن أن تشكل النتائج المتوصل إليها قاعدة علمية داعمة لبرامج التهيئة والمحافظة على التنوع البيولوجي داخل منتزه الحسيمة الوطني، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا المجال على مواجهة التحديات البيئية الراهنة والمستقبلية.


