تفرض درجات الحرارة المرتفعة على الجسم تحديات مختلفة عن تلك التي يواجهها في الفصول المعتدلة؛ إذ يزداد التعرق، وترتفع حاجة الجسم إلى السوائل، وقد تنخفض الشهية تجاه الأطعمة الثقيلة والدسمة. ولذلك، يعد الصيف مرحلة تتطلب تعديلات غذائية تساعد على الحفاظ على الطاقة والترطيب وتخفيف الإجهاد الحراري.
وقد كشفت دراسة نُشرت عام 2018 في دورية “PLOS Biology” العلمية أن ارتفاع حرارة الجسم قد يؤثر في الشهية عبر تنشيط خلايا عصبية في منطقة تحت المهاد، وهي المنطقة المرتبطة بتنظيم الجوع والشبع، ما قد يفسر ميل بعض الأشخاص إلى تناول كميات أقل من الطعام في الأيام الحارة.
ومع ذلك، تظل حاجة الجسم إلى العناصر الغذائية قائمة في الطقس الحار، تمامًا كما هي في الطقس البارد. لذا، لا يقتصر الأمر على تخصيص وقت لتناول الطعام فحسب، بل يشمل أيضًا اختيار الأطعمة المناسبة التي تعوض الجسم عما يفقده من سوائل وإلكتروليتات، أي أملاح ومعادن، نتيجة التعرق وموجات الحر.
لماذا يتغيّر نمط الأكل في الحر؟
بحسب تقرير نشرته منصة هارفدهليت الطبية، يميل الجسم طبيعيًا إلى تفضيل الطعام الأخف عندما ترتفع الحرارة؛ لأن عملية الهضم تحتاج إلى طاقة وتولد قدرًا من الحرارة الداخلية، وهو ما يجعل الوجبات الثقيلة أقل راحة في الأيام الحارة.
كما أن موجات الحر ترفع خطر الجفاف نتيجة فقدان السوائل عبر التعرق، ما يعني أن الطعام في الصيف لا يُقاس بعدد السعرات الحرارية فقط، بل أيضًا بقدرته على دعم الترطيب، وفقًا لموقع “مايو كلينيك”.

ومن الناحية العملية، يكتفي كثيرون بشرب كميات أقل مما يحتاجون إليه، إما لأنهم لا يشعرون بالعطش مبكرًا، أو لأنهم يعتمدون على المشروبات المنبهة والمحلّاة بدل الماء. وهنا تظهر أهمية اختيار أطعمة تحتوي على نسبة عالية من الماء، لأنها تساهم في التعويض الجزئي عن نقص السوائل وتمنح الجسم شعورًا بالانتعاش.
أفضل الأطعمة للصيف
تعد الفواكه والخضار من أبرز الأطعمة المناسبة للصيف، مثل البطيخ والشمام والفراولة والخوخ والعنب والبرتقال، لأنها تجمع بين الترطيب والطعم المنعش وسهولة التناول.
ويشير موقع “هارفارد هيلث” إلى أن الفواكه والخضراوات الصيفية، مثل البطيخ والفراولة والكوسا والفلفل، يمكن أن تضيف لونًا ونكهة وقيمة غذائية عالية إلى الوجبات اليومية.
ويمكن تناول هذه الخضروات في السلطة أو مع الزبادي أو ضمن أطباق باردة، لتخفيف الإحساس بالحر من دون التضحية بالقيمة الغذائية.

إلى جانب ذلك، يظل اللبن والزبادي والحساء الخفيف من الخيارات المفيدة، لأن هذه الأطعمة لا توفر السوائل فقط، بل قد تمنح الجسم أيضًا بعض البروتين والمعادن. وتكتسب هذه الخيارات أهمية خاصة في فترات الحر الشديد، إذ تكون ألطف على المعدة من الأطباق الغنية بالدهون أو الصلصات الثقيلة.
ولا يعني الطعام الصيفي الاكتفاء بالفواكه والخضراوات فقط، فالجسم يحتاج أيضًا إلى البروتين، لكن من الأفضل اختياره في صورته الخفيفة سهلة الهضم. لذلك يُنصح باختيار الدجاج المشوي والسمك والبقول المطهية بطريقة بسيطة، والابتعاد عن المقالي والصلصات الثقيلة والأطعمة المالحة. فمن الضروري تقليل العبء على الجهاز الهضمي كي لا يتحول الطعام إلى عامل إضافي يزيد التعب في الأيام الحارة.
كذلك، قد تسبب بعض الوجبات الخفيفة مشكلات أخرى. وتنقل مجلة “تايم ” أن الأطعمة المالحة والمصنّعة، مثل رقائق البطاطس واللحوم المعالجة، يمكن أن تفاقم الجفاف من خلال زيادة مستويات الصوديوم في الجسم، ولا سيما إذا لم يكن الشخص يتناول كميات كافية من السوائل.
الماء أولًا
يبقى الماء الخيار الأول لمواجهة الجفاف، خصوصًا عند التعرق أو التعرض الطويل للشمس
التوزيع المثالي للوجبات
في أيام الحر الشديد، يُفضّل توزيع الطعام على وجبات أخف وأكثر تكرارًا بدل ثلاث وجبات كبيرة. ويمكن أن يبدأ اليوم بفطور خفيف من الزبادي مع الفاكهة، ثم وجبة غداء تحتوي على سلطة مع بروتين خفيف، تليها وجبة صغيرة مرطبة كالبطيخ أو الخيار، على أن يُختتم اليوم بعشاء بسيط غير دسم.
لا تساعد هذه الطريقة على الترطيب فقط، بل تجعل الهضم أسهل وتقلل الإحساس بالامتلاء والكسل بعد الأكل. كما تمنح الشخص مرونة أكبر في اختيار الطعام بحسب الوقت ودرجة الحرارة والنشاط البدني خلال اليوم.
ويحقق هذا النموذج توازنًا بين الترطيب والطاقة، ويقلل احتمالية الشعور بالخمول أو العطش الشديد. وهو مناسب كإطار عام يمكن تعديله بحسب العمر والنشاط البدني والحالة الصحية.

