المرسوم الجديد المتعلق بالوظيفة الصحية بالمغرب: قراءة تحليلية في ضوء إصلاح المنظومة الصحية

المرسوم الجديد المتعلق بالوظيفة الصحية بالمغرب: قراءة تحليلية في ضوء إصلاح المنظومة الصحية
ذ. صبوري حسن

يشكل إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب أحد أبرز الأوراش الاستراتيجية التي انخرطت فيها الدولة خلال السنوات الأخيرة، وذلك في سياق تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة القطاع الصحي بما ينسجم مع التحولات الديمغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب.

وفي هذا الإطار، جاء القانون رقم 09.22 المتعلق بالوظيفة الصحية باعتباره آلية قانونية لإعادة تنظيم الوضعية الإدارية والمهنية لمهنيي الصحة، وتكريس مقاربة جديدة في تدبير الموارد البشرية الصحية.

واستكمالا لهذا المسار، صادق مجلس الحكومة بتاريخ 11 يونيو 2026 على مشروع المرسوم 2.26.340 المتعلق بتحديد كيفيات تطبيق أحكام المادة 24 من القانون المذكور، وهو ما يعكس إرادة واضحة في استكمال البناء التنظيمي للوظيفة الصحية وضمان تنزيلها العملي داخل مختلف مكونات المنظومة الصحية.
ويكتسي هذا المرسوم أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بتنظيم الحركة الانتقالية لمهنيي الصحة، باعتبارها من بين الإشكالات التي ظلت تثير العديد من النقاشات داخل القطاع الصحي، سواء من حيث غياب توحيد المساطر أو من حيث التفاوت في المعايير المعتمدة بين المؤسسات الصحية. لذلك، جاء هذا النص التنظيمي لوضع إطار موحد يحدد كيفيات تدبير الانتقالات المهنية داخل المنظومة الصحية، بما يضمن مزيدا من الشفافية والنجاعة ويحقق نوعا من التوازن بين متطلبات المرفق الصحي وحقوق مهنيي الصحة.
ويبدو من خلال هذا المرسوم أن المشرع اتجه نحو تكريس مقاربة حديثة في تدبير الموارد البشرية الصحية، تقوم على التخطيط الاستراتيجي والتدبير العقلاني للكفاءات، بدل الاقتصار على المعالجة التقليدية للإشكالات المرتبطة بالانتقال والتعيين.

فالحركة الانتقالية لم تعد مجرد إجراء إداري محدود، بل أصبحت أداة لتوزيع الموارد البشرية بشكل يراعي حاجيات المؤسسات الصحية ومتطلبات العدالة المجالية، خاصة في ظل استمرار الخصاص الذي تعرفه بعض المناطق القروية والنائية في الأطر الصحية.

كما يندرج هذا المرسوم ضمن الدينامية العامة لإصلاح المنظومة الصحية الوطنية، لاسيما فيما يتعلق بإحداث المجموعات الصحية الترابية وإعادة تنظيم المؤسسات الصحية وفق مقاربة ترابية جديدة.

ذلك أن نجاح هذا النموذج الإصلاحي يبقى رهينا بوجود نظام فعال ومرن لتدبير الموارد البشرية، قادر على ضمان التنقل المهني المنظم بين مختلف المؤسسات الصحية، بما يحقق استمرارية المرفق العمومي الصحي ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار المهني والاجتماعي لمهنيي الصحة.

إضافة إلى أن توحيد قواعد الحركة الانتقالية من شأنه أن يعزز مبادئ الحكامة الجيدة داخل القطاع الصحي، من خلال اعتماد معايير أكثر وضوحا وشفافية في تدبير طلبات الانتقال، والحد من التفاوتات التي كانت تطبع الممارسات السابقة.

كما أن اعتماد إطار تنظيمي موحد يسمح بتقوية الثقة بين الإدارة ومهنيي الصحة، ويساهم في إرساء مناخ مهني أكثر استقرارا، وهو ما ينعكس إيجابا على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

غير أن فعالية هذا المرسوم ستظل مرتبطة بمدى حسن تنزيله على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بضمان التطبيق العادل للمقتضيات التنظيمية، وتوفير الوسائل الإدارية والتقنية اللازمة لتدبير الحركة الانتقالية بشكل فعال وشفاف. كما أن نجاح هذا الإصلاح يقتضي مواصلة معالجة الإشكالات البنيوية التي يعرفها القطاع الصحي، وفي مقدمتها الخصاص في الموارد البشرية، والتفاوت المجالي في توزيع الأطر الصحية، وظروف الاشتغال داخل بعض المؤسسات الصحية.
وعموما، فإن المرسوم الجديد المتعلق بتطبيق المادة 24 من القانون رقم 09.22 يشكل خطوة إضافية في مسار إعادة بناء الوظيفة الصحية بالمغرب وفق رؤية حديثة تقوم على الحكامة والنجاعة والعدالة المجالية.

كما يعكس توجها نحو إرساء منظومة صحية أكثر تنظيما وقدرة على الاستجابة لتحديات المرحلة، بما يضمن تحسين أوضاع مهنيي الصحة والارتقاء بجودة الخدمات الصحية وتعزيز الحق في الصحة باعتباره أحد الحقوق الأساسية للمواطنين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*