“الأعوام الثقافية –المغرب”… حين تتحول السينما إلى مرآة لذاكرة وطن

“الأعوام الثقافية –المغرب”… حين تتحول السينما إلى مرآة لذاكرة وطن

سياسي : رشيد لمسلم 

لا يتعامل الفيلم الوثائقي «الأعوام الثقافية – المغرب»، للمخرج المغربي عمر كاملي بنحمو، مع الثقافة بوصفها موضوعا للتوثيق، وإنما باعتبارها كائنا حيا ينبض في تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بمحيطه وذاكرته وتاريخه.

ومن هذا المنطلق، يقترح الفيلم رحلة سينمائية تنفذ إلى عمق الهوية المغربية، مستكشفا ملامحها المتعددة عبر لغة بصرية رفيعة، تجعل من الصورة أداة للسرد، ومن المكان شاهدا على حضارة ما تزال تكتب فصولها.

ينطلق العمل بصحبة الإعلامي والرحالة القطري علي الكواري في مسار يعبر مدن المغرب وقراه، غير أن الرحلة لا تنشغل بجغرافيا الأمكنة بقدر ما تنصت إلى نبضها الإنساني. فكل محطة تفتح بابا على حكاية، وكل لقاء مع حرفي أو فنان أو حافظ للتراث يكشف وجها جديدا لذاكرة جماعية استطاعت أن تصون تنوعها عبر الزمن، وأن تحول الموروث الثقافي إلى ممارسة يومية تتجدد باستمرار.

وفي ابتعاد واضح عن الخطاب السياحي أو الاستعراض الفولكلوري، يختار الفيلم أن ينظر إلى الثقافة باعتبارها تجربة معيشة، تتجسد في الحرف التقليدية، وفنون العيش، والموسيقى، والعمارة، والعادات، وقيم الضيافة والتعايش والانفتاح التي شكلت، على امتداد قرون، إحدى السمات الأكثر رسوخا في الشخصية المغربية. وهكذا، لا تبدو العناصر التراثية مجرد شواهد على الماضي، بل مكونات حية تواصل إنتاج المعنى، وتربط الحاضر بجذوره في انسجام لافت.

ويمنح المخرج عمر كاملي بنحمو للصورة دور البطولة، موظفا إيقاعا هادئا وكاميرا تتأمل أكثر مما تراقب، فتتحول المشاهد إلى لوحات بصرية تنبض بالجمال والصدق، بينما تتشكل الحكاية تدريجيا من التفاصيل الصغيرة التي غالبا ما تغيب عن العين العابرة.

وبهذا الأسلوب، يغدو الفيلم أقرب إلى قصيدة بصرية تحتفي بالمكان والإنسان، وتعيد اكتشاف المغرب من داخله، بعيدا عن الصور الجاهزة والانطباعات السطحية.

ولا تكمن أهمية «الأعوام الثقافية – المغرب» في كونه يقدم صورة عن بلد غني بتراثه فحسب، بل في قدرته على إعادة تعريف الثقافة باعتبارها لغة عالمية للحوار والتقارب بين الشعوب.

فمن خلال هذا العمل، يبرز المغرب فضاء يلتقي فيه التاريخ بالحاضر، وتتجاور فيه الروافد الحضارية المختلفة ضمن هوية متماسكة، استطاعت أن تجعل من التنوع مصدرا للغنى، ومن الانفتاح أسلوبا في بناء الذات.

بهذه الرؤية، يقدم الفيلم تجربة وثائقية تتجاوز حدود التعريف بالمكان إلى مساءلة معنى الهوية نفسها، مؤكدا أن الثقافة ليست ما يعرض في المتاحف أو يحفظ في الكتب، بل ما يعيشه الناس كل يوم، وما يورثونه للأجيال باعتباره ذاكرة مشتركة وروحا لا تنطفئ.

ومن هنا، ينجح «الأعوام الثقافية – المغرب» في أن يكون أكثر من فيلم وثائقي؛ إنه دعوة مفتوحة لاكتشاف المغرب كما يرويه أبناؤه، وكما تكتبه ذاكرته الحية في تفاصيل المكان والإنسان.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*