عبد السلام مول لبلاد: من إرث القيادة إلى ريادة الفلاحة ببلاد زعير

بورتريه المرحوم عبد السلام مول لبلاد، في الذكرى الواحدة و العشرين لوفاته،

عبد السلام مول لبلاد: من إرث القيادة إلى ريادة الفلاحة ببلاد زعير

كتبها: أحمد رحمون 

وُلد المرحوم عبد السلام مول لبلاد سنة 1930 بدوار أولاد عون، بقبيلة النجدة 1 التابعة لجمعة مول البلاد ببلاد زعير، في أسرة عُرفت بمكانتها الاجتماعية ونفوذها المحلي.

فهو نجل القائد مول البلاد بن بوعزة النجدي الزعري الذي توفي سنة 1937، تاركاً لابنه إرثاً معنوياً قوامه المكانة والهيبة وروح القيادة، وهو الإرث الذي سيظل يرافقه طوال مسيرته في الحياة.

تلقى عبد السلام مول لبلاد تعليمه بمدينة الرماني خلال فترة الحماية الفرنسية، حيث تابع دراسته إلى المرحلة الثانوية. غير أن روح الاستقلال والمبادرة المبكرة دفعته إلى مغادرة مقاعد الدراسة في سن الخامسة عشرة، ليلج عالم الحياة العملية ويتفرغ للفلاحة التي ستصبح مجال تألقه وبصمته الخاصة.

وقد تميز بثقافة واسعة نسبياً في زمنه، إذ كان يتقن ثلاث لغات هي العربية والفرنسية والإسبانية، الأمر الذي ساعده على الانفتاح على التجارب الفلاحية الحديثة وأساليب التسيير المتطورة للضيعات.

تزوج الراحل بامرأتين؛ الأولى مغربية، والثانية إسبانية اعتنقت الإسلام سنة 1956 قبل أن تحصل على الجنسية المغربية سنة 1960. وقد رزقه الله تسعة أبناء، خمسة ذكور وأربع إناث.

برز اسم عبد السلام مول لبلاد كواحد من كبار أعيان منطقة زعير ومن كبار ملاكي الأراضي الفلاحية بالمغرب، حيث بلغت مساحة ممتلكاته الفلاحية أكثر من 3500 هكتار موزعة بين جمعة مول البلاد وعين السبيت والبراشوة.

ومع بداية سبعينيات القرن الماضي، وفي سياق سياسة مغربة الأراضي واسترجاع أملاك المعمرين الأجانب، استطاع أن يوسع ضيعاته الفلاحية بشكل لافت ومدروس.

وقد تميزت ضيعاته الفلاحية بتسيير حديث مستلهم من الأساليب الأوروبية، إذ حرص على إدخال التقنيات الفلاحية المتطورة وتجهيز مزارعه بآليات عصرية، مكوناً حضيرة مهمة من المعدات الفلاحية المتنوعة.

كما كان من بين الفلاحين القلائل الذين تخصصوا في إنتاج البذور المختارة بشراكة مع شركة سونكوس (SONACOS)، إضافة إلى تعامله مع كبرى مطاحن الحبوب بالمملكة.

وامتلك الراحل خبرة كبيرة في أساليب الفلاحة العصرية، وكان من المدافعين عن احترام الدورة الزراعية حفاظاً على خصوبة التربة، حيث كان يزاوج بين زراعة الحبوب والقطاني، خصوصاً البازلاء المعروفة محلياً بـ”الجلبانة”.

وفي إطار تحديث ضيعاته وتطوير أساليب الإنتاج، شهدت ضيعته الفلاحية بدوار أولاد عون بجمعة مول البلاد حدثاً بارزاً سنة 1989، حيث قام في شهر يونيو من تلك السنة عامل عمالة إقليم الخميسات آنذاك، المرحوم محمد سعيد المذكوري، بزيارة رسمية للضيعة، مرفوقاً بالسلطات المحلية ورؤساء المصالح الخارجية والأمنية وبرلمانيي الإقليم، إلى جانب عدد من أعيان قبائل زعير من مختلف الجماعات التابعة لدائرة الرماني.

وقد خُصصت هذه الزيارة لتدشين مشروع سقي عصري شمل مساحة 116 هكتاراً بواسطة أنظمة السقي بالأذرع المحورية (Pivots)، إضافة إلى إنشاء خزان مائي خاص بالسقي بسعة 8750 متراً مكعباً، وهو مشروع اعتُبر آنذاك من المبادرات الفلاحية المتقدمة بالمنطقة.

وفي المجال المهني التعاوني، انتُخب ما بين سنتي 1994 و1997 رئيساً للمجلس الإداري لتعاونية الفضيلة (المعروفة سابقاً باسم لاسكام)، التي كانت تغطي آنذاك مجال جهة الرباط سلا الصخيرات تمارة وإقليم الخميسات، وذلك عقب إحداث لجنة لليقظة ترأسها عامل إقليم الخميسات في تلك الفترة.

أما في المجال السياسي، فقد انخرط المرحوم في العمل الجماعي المحلي، حيث انتُخب رئيساً لجماعة مولاي إدريس أغبال وجمعة مول البلاد بعد التقسيم الإداري لسنة 1976، ممثلاً عن حزب الحركة الشعبية الذي أسسه المرحوم المحجوبي أحرضان.

وقد تُوج مساره الفلاحي بإنجاز وطني بارز سنة 1991، حين نال لقب أحسن منتج للحبوب على الصعيد الوطني بعد أن حقق مردودية قياسية بلغت 78,30 قنطاراً في الهكتار الواحد في الزراعة البورية، وهو إنجاز لافت بالنظر إلى صعوبة ظروف هذا النوع من الزراعة.

وتقديراً لعطائه ومكانته، حظي في مارس 1992، بمناسبة عيد العرش، بتوشيح ملكي رفيع حيث نال الوسام العلوي من درجة فارس ممتاز.

كما كانت للراحل علاقات وطيدة بعدد من الشخصيات الوطنية البارزة، ومن بينها الأمير الراحل مولاي عبد الله شقيق الملك الراحل الحسن الثاني رحمهما الله.

وعُرف المرحوم عبد السلام مول لبلاد بخصال إنسانية رفيعة؛ فقد كان هادئ الطبع، متزناً في آرائه، حكيماً في مواقفه، كما اشتهر بكرمه وسخائه، حتى أصبح مضرب المثل بين أبناء المنطقة. ولم يقتصر اهتمامه على الفلاحة والتدبير، بل كان أيضاً واسع الاطلاع على تاريخ قبائل زعير وموروثها الثقافي الشعبي.

وفي يوم 28 أكتوبر 2005 الموافق لـ 24 رمضان 1426 هـ، أسلم الروح إلى بارئها عن عمر ناهز 75 سنة، تاركاً وراءه سيرة رجل جمع بين الريادة الفلاحية والحضور الاجتماعي والالتزام الوطني.

رحم الله فقيد زعير الكبير، وأجزل له المثوبة، وأسكنه فسيح جناته.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*