حسن صبوري: رهاننا هو الانتقال بالشباب من موقع المتلقي إلى فضاء التفكير والمشاركة وصناعة المبادرة

حوار مع الأستاذ حسن صبوري، مدير الجامعة الوطنية للشباب ببوزنيقة،

في حوار حول الشباب والعدالة المجالية: رهاننا هو الانتقال بالشباب من موقع المتلقي إلى فضاء التفكير والمشاركة وصناعة المبادرة

في هذا الحوار، نتوقف عند دلالات الجامعة الوطنية للشباب التي نظمتها جمعية الشعلة للتربية والثقافة ببوزنيقة، من 15 إلى 19 أكتوبر 2026، تحت شعار «الشباب ورهانات العدالة المجالية».

ويتحدث مدير الجامعة عن الخلفيات الفكرية والثقافية لاختيار الموضوع، وأهداف البرنامج العلمي والتربوي، وأدوار الكفاءات المؤطرة، وأهمية الأنشطة الموازية والعمل الجماعي في بناء تجربة تربوية تراهن على تعزيز الوعي النقدي والمشاركة المواطنة لدى الشباب.

سؤال: بداية، كيف تقرؤون تجربة الجامعة الوطنية للشباب ببوزنيقة تحت شعار «الشباب ورهانات العدالة المجالية»؟ وما الذي يجعل اليوم هذا الموضوع في صلب انشغالات الشباب المغربي ؟

حسن صبوري: أعتقد أن أهمية هذا الموضوع تنبع من ارتباطه المباشر بحياة الشباب وبالفرص المتاحة أمامهم لبناء مستقبلهم على اعتبار أن العدالة المجالية في تقديرنا، قضية تتجاوز توزيع التجهيزات والبنيات التحتية، لتشمل شروط الولوج إلى التعليم والصحة والثقافة والتشغيل…، وإمكانات المشاركة في الحياة العامة، ومدى قدرة كل مجال ترابي على توفير فرص حقيقية للنمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي وتحقيق الطموحات الفردية والجماعية. لأن المجال الذي يعيش فيه الفرد يؤثر في مساره الاجتماعي، وفي طبيعة الموارد و الفرص المتاحة أمامه، وفي إمكانات تحويل مؤهلاته إلى فرص فعلية… لذلك اخترنا أن نجعل الشباب في قلب هذا النقاش، باعتبارهم أكثر الفئات تفاعلا مع التحولات المجتمعية، ومن أكثرها حاجة إلى فضاءات تمكنهم من فهم هذه التحولات والمشاركة في صياغة الأجوبة عنها. وهو ما نجحت في تحقيقه الجامعة التي شكلت فرصة حقيقية لفتح نقاش جماعي حول العلاقة بين المجال والحق، وبين التنمية والإنصاف، وبين المواطنة والقدرة على التأثير في السياسات العمومية.

سؤال: ما الأهداف التي سعت الجامعة إلى تحقيقها؟ وكيف ربطتم بين موضوع العدالة المجالية والتكوين التربوي للشباب؟

حسن صبوري: انطلقنا من تصور يعتبر أن تأهيل الشباب يبدأ بتمكينهم من أدوات الفهم والتحليل والنقد، ثم مساعدتهم على توظيف هذه الأدوات في قراءة واقعهم والمشاركة في تطويره.

وقد سعينا إلى تعزيز معارف المشاركين في الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والتعدد الثقافي، وتطوير قدرتهم على تحليل السياسات العمومية من منظور شبابي ومجالي، وتنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي والقيادة والمبادرة. كما حرصنا على أن يرتبط النقاش النظري بقضايا ملموسة، من قبيل التعليم والصحة والتشغيل والخدمات العدلية والمشاركة المواطنة والهوية الثقافية.

فالشاب الذي يستوعب طبيعة التفاوتات المجالية، ويفهم آثارها على الحقوق والفرص، يصبح أكثر قدرة على صياغة موقف مسؤول، واقتراح مبادرات تستجيب لحاجيات محيطه.

ومن هنا، كان هدفنا التربوي هو بناء علاقة بين المعرفة والوعي، وبين الوعي والمشاركة، وبين المشاركة والمبادرة.

سؤال: تميز البرنامج بتنوع مداخلاته وورشاته. كيف أسهم هذا التنوع في تعميق النقاش حول العدالة المجالية؟

حسن صبوري: حرصنا على مقاربة الموضوع من زوايا متعددة، لأن العدالة المجالية قضية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والثقافية والمؤسساتية.

فقد تناول الدكتور علي الغنبوري موضوع الشباب والعدالة المجالية بالمغرب من زاوية تكافؤ الفرص والإنصاف الاقتصادي، بينما ساهم الأستاذ منذر سوهامي في تأطير المحور الحقوقي المرتبط بالموضوع.

كما أطر الدكتور أحمد طبيبي ورشة حول مرفق العدالة والعدالة المجالية، انطلاقا من العلاقة بين الحق في التقاضي والحق في خدمة عدلية قريبة ومنصفة.

وتناول الأستاذ يوسف بوميا المشاركة المواطنة في صناعة السياسات العمومية، فيما أطر الدكتور عادل بولحواجب ورشة حول الشباب وقيادة التغيير. وقد أتاح هذا التنوع للمشاركين اكتشاف الصلات بين التفاوتات الترابية والحقوق الأساسية، وبين مسؤولية المؤسسات وأدوار المجتمع المدني، وبين المشاركة المواطنة وإمكانات التأثير في القرار العمومي.

وأعتقد أن القيمة الثقافية لهذا التنوع تكمن في قدرته على توسيع أفق التفكير، ويشجع الشباب على تجاوز التفسير الأحادي للقضايا الاجتماعية، نحو فهم أكثر تركيبا للعوامل التي تنتج الفوارق وتحدد فرص تجاوزها.

سؤال: احتلت المشاركة التفاعلية مكانة مهمة في البرنامج، سواء من خلال الورشات أو فضاء الأغوار. ما دلالة هذا الاختيار تربويا؟

حسن صبوري: نحن نعتبر أن الشباب يمتلكون تجارب ومعارف أولية وأسئلة تستحق الإنصات، وأن وظيفة التأطير التربوي الحديث تتمثل في مساعدتهم على تنظيم هذه المعارف وتطويرها، وربطها بالمفاهيم والأدوات العلمية. لذلك حرصنا على أن تكون الجامعة فضاء للتفاعل وتبادل الآراء، وأن يجد المشاركون فرصا للتعبير عن تصوراتهم ومناقشة القضايا التي تهمهم.

وقد شكل فضاء الأغوار، الذي أشرف على تنشيطه الأستاذ حمادي أشيبان، مناسبة لممارسة الحوار الحر والمساءلة وتدبير الاختلاف.

كما أتاحت ورشة المشاركة المواطنة مع الأستاذ يوسف بوميا التفكير في موقع الشباب داخل صناعة السياسات العمومية. ومن الناحية التربوية، نعتبر أن الديمقراطية تُكتسب أيضا بالممارسة؛ فاحترام الرأي المختلف، والإصغاء، وبناء الحجة، والعمل الجماعي، كلها مهارات تتطور من خلال المشاركة الفعلية.

والجامعة، بهذا المعنى، فضاء للتعلم بالممارسة، حيث يصبح الشباب شركاء في بناء التجربة وفي إنتاج النقاش.

سؤال: شكلت الأمسية السينمائية حول فيلم «طفح الكيل» محطة لافتة ضمن البرنامج. كيف تنظرون إلى دور الثقافة والفن في التربية على العدالة المجالية؟

حسن صبوري: الثقافة والفن من الوسائل الأساسية لتوسيع مدارك الشباب وتعزيز قدرتهم على فهم المجتمع. وقد شكلت الأمسية السينمائية التي ساهمت في تنشيطها الأستاذة كريمة الزاهري، عن جمعية السينما للجميع وفي كل مكان، مناسبة للاقتراب من قضية العدالة المجالية من خلال تجربة إنسانية تتصل بالحق في الصحة والكرامة والعدالة الاجتماعية.

فالعمل السينمائي يستطيع أن يجعل القضايا الاجتماعية أكثر قربا من وجدان المتلقي، وأن يفتح النقاش حول آثار الفقر والهشاشة وصعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية. كما أن التربية الثقافية تمنح الشباب أدوات إضافية للتعبير والتحليل والتأويل، وتساعدهم على إدراك أن القضايا المجتمعية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والحقوقية والإنسانية.

لذلك نرى أن إدماج السينما والفنون في البرامج التربوية يثري تجربة التعلم، ويوسع مجالات الحوار، ويعزز العلاقة بين المعرفة والحس النقدي.

سؤال: إلى جانب البرنامج العلمي، عرف اللقاء أنشطة فنية وترفيهية وخرجة إلى فضاء الفروسية التقليدية. ما الإضافة التي تقدمها هذه الأنشطة لتجربة الجامعة؟

حسن صبوري: الجامعة تجربة متكاملة، والحياة المشتركة فيها جزء من العملية التربوية.

فالأنشطة الموازية تتيح للشباب التعارف وتبادل الخبرات، وتساعد على بناء علاقات قائمة على الثقة والتعاون والاحترام. كما تمنحهم فرصة لاكتشاف جوانب أخرى من الثقافة الوطنية، كما هو الشأن بالنسبة إلى الزيارة المرتبطة بالفروسية التقليدية.

ونحن نؤمن بأن التربية على المواطنة تتجاوز المضامين النظرية، لتشمل السلوك اليومي، وتقاسم المسؤوليات، واحترام الاختلاف، والعمل مع الآخرين من أجل تحقيق أهداف مشتركة. وقد أسهمت الأنشطة الموازية في تعزيز الروابط بين المشاركين القادمين من مناطق مختلفة، ومنحت التجربة بعدا إنسانيا واجتماعيا يدعم أهداف التكوين والحوار.

سؤال: باعتباركم مدير الجامعة، كيف تقيّمون دور الطاقم الإداري والتربوي في إنجاح هذه التجربة؟

حسن صبوري: أعتبر أن العمل الجماعي يشكل أساس كل تجربة تربوية ناجحة. فالبرنامج يحتاج إلى تصور واضح، وإعداد محكم، وتوزيع للمسؤوليات، وتنسيق مستمر بين مختلف المتدخلين. وقد ساهم الطاقم الإداري والتربوي، بما يضمه من خبرات مهنية وتجارب جمعوية متنوعة، في تأمين شروط التنظيم والتأطير والمواكبة.

وتكمن أهمية هذا التنوع في أنه يتيح الاستفادة من معارف وتجارب مختلفة، ويجعل كل عضو قادرا على الإسهام من موقعه واختصاصه. كما أن العمل الجمعوي يقوم على قيم الالتزام والتطوع والتعاون، وهي قيم تجسدت في تضافر الجهود لإنجاز فقرات البرنامج.

وأغتنم هذه المناسبة للتنويه بمساهمة جميع الأطر والمتدخلين، وبانخراط المشاركين الذين منحوا الجامعة حيويتها من خلال حضورهم وتفاعلهم ومساهماتهم في النقاش.

سؤال: إلى أي حد استطاعت الجامعة تحقيق أهدافها؟ وما الذي يمكن اعتباره من أبرز مكتسباتها التربوية؟

حسن صبوري: يمكننا الوقوف عند مجموعة من المكتسبات المرتبطة بطبيعة البرنامج وتنوع مداخله، وبالفرص التي أتاحها للشباب للتفاعل مع قضايا العدالة المجالية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة المواطنة. فقد وفرت الجامعة فضاء للتفاعل والحوار، وسمحت للمشاركين بالتعرف على مقاربات متعددة، وربطت النقاش الفكري بقضايا حيوية تهم حاضر و مستقبل الأجيال الشابة .

كما عززت التجربة فرص التعارف بين الشباب المنتمين إلى فروع ومناطق مختلفة، وأسهمت الأنشطة التفاعلية والموازية في تقوية روح الجماعة.

وفي تقديري، فإن تقييم الأثر التربوي يظل مسارا مستمرا؛ فالقيمة الأساسية لهذه اللقاءات تظهر أيضا في مدى قدرة المشاركين على استثمار ما اكتسبوه داخل فروعهم ومبادراتهم، وعلى نقل النقاش إلى محيطهم الاجتماعي، وتحويل الأفكار إلى مشاريع ومقترحات قابلة للتطوير. لذلك نطمح إلى أن تشكل الجامعة محطة ضمن مسار متواصل من التكوين والمبادرة والمشاركة.

سؤال: كيف يمكن تحويل النقاشات التي احتضنتها بوزنيقة إلى مبادرات عملية تخدم الشباب ومجالاتهم الترابية؟

حسن صبوري: يتطلب ذلك مواصلة الاشتغال على القضايا التي طرحتها الجامعة، وربطها ببرامج الفروع وبالحاجيات الفعلية للشباب في مختلف المجالات.

ويمكن أن يشمل ذلك مبادرات للتوعية بالحقوق والخدمات العمومية، ولقاءات للحوار مع الفاعلين المحليين، ومشاريع ثقافية وتربوية، ومقترحات تتعلق بتطوير فرص مشاركة الشباب في النقاش العمومي.

كما أن من المهم تشجيع المشاركين على العمل في مجموعات، وتحديد قضايا واضحة، وجمع المعطيات بشأنها، وصياغة مقترحات قابلة للتنفيذ والتقييم.

فالعدالة المجالية قضية تتطلب تضافر جهود المؤسسات والمنتخبين والفاعلين المدنيين والمواطنين، والشباب قادرون على الإسهام فيها من خلال المعرفة والمبادرة والعمل التطوعي والترافع المسؤول. ومن هنا، نرى أن الجامعة يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لتجارب محلية تعزز الارتباط بالمجال، وتطور ثقافة المشاركة، وتفتح آفاقا جديدة أمام المبادرات الشبابية.

سؤال: ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشباب وإلى الفاعلين المعنيين بقضايا العدالة المجالية؟

حسن صبوري: رسالتي إلى الشباب هي أن المعرفة تمنحنا القدرة على فهم الواقع، والحوار يساعدنا على استيعاب تعدده، والعمل الجماعي يفتح أمامنا إمكانات التأثير والتغيير. أدعوهم إلى مواصلة التعلم والمبادرة والانخراط في الحياة الجمعوية والمدنية، وإلى جعل قضايا مجالاتهم الترابية موضوعا للتفكير والاقتراح والعمل المسؤول. أما بالنسبة إلى مختلف الفاعلين، فإن تعزيز العدالة المجالية يقتضي الإنصات إلى الشباب، وتوسيع فرص مشاركتهم، وتوفير فضاءات للتكوين والتعبير والمبادرة، وربط السياسات العمومية بالحاجيات الفعلية للمواطنين. وأود التأكيد أن جمعية الشعلة للتربية والثقافة ستظل، من خلال رسالتها التربوية والثقافية، فضاء للعمل المشترك وتأهيل الشباب وترسيخ قيم المواطنة والتطوع والديمقراطية.

إن الرهان على الشباب هو رهان على مجتمع يمتلك القدرة على التجدد، وعلى تنمية تجعل الإنسان وكرامته وتكافؤ فرصه في صلب اختياراتها.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*