وجهت منال التقال عضوة المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رسالة إلى الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حول معايير اختيار المرشحات ومصداقية القرار الحزبي
ومنا جاء في الرسالة:
تأتي هذه الرسالة في سياق ما أفرزته مسطرة اختيار المرشحات من أسئلة جدية ومشروعة حول المعايير التي تم اعتمادها في المفاضلة والحسم، وهي أسئلة تتجاوز الأشخاص والأسماء والمواقع، لتلامس جوهر الممارسة السياسية والحزبية ومصداقية القرار التنظيمي.
لقد كان من المنتظر أن تشكل هذه المحطة مناسبة لتكريس معايير واضحة وشفافة قوامها الكفاءة، والنزاهة، والاستحقاق، والمسار النضالي، والحضور الميداني، والإشعاع السياسي والمجتمعي، والقدرة على تمثيل الحزب والدفاع عن مشروعه وقيمه.
غير أن ما تمت معاينته خلال هذه العملية يفرض اليوم سؤالًا لا يجوز القفز عليه:
هل ظل الاستحقاق هو أساس المفاضلة، أم أن الاعتبار المالي أصبح عنصرًا مؤثرًا في الاختيار؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بترشيح شخص بعينه، ولا بإقصاء اسم لصالح آخر، ولا برغبة في تحويل نقاش سياسي وتنظيمي إلى خلاف شخصي، بل يتعلق بقاعدة يفترض أن تكون واضحة لدى الجميع: ما هي المعايير الفعلية التي تحكم التزكيات والاختيارات داخل الحزب؟
فحين يصبح المال، أو القدرة على تقديم مساهمات مالية، حاضرًا في مسار يفترض أن تحكمه الكفاءة والنزاهة والشرعية النضالية، فإن الأمر يتجاوز مجرد تدبير داخلي للترشيحات، ليطرح إشكالا سياسيا وأخلاقيا وديمقراطيا حقيقيا.
ذلك أن الأحزاب السياسية، وفق دستور 2011، ليست مجرد فضاءات لتوزيع المواقع، بل مؤسسات دستورية تضطلع بمهام التأطير والمشاركة في التعبير عن إرادة المواطنات والمواطنين، ويُفترض في تنظيمها وتسييرها أن ينسجما مع المبادئ الديمقراطية وقيم المساواة وتكافؤ الفرص والحكامة الجيدة.
ومن ثم، فإن أي انزياح عن هذه المبادئ، وأي تغليب محتمل للاعتبار المالي على الكفاءة والاستحقاق، لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا تنظيميًا بسيطًا، لأنه يمس في العمق الثقة في العمل الحزبي، ويمس صورة المؤسسة السياسية نفسها.
كما أن ذلك يتعارض، من حيث المبدأ، مع روح التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والتي ما فتئت تؤكد على ضرورة الرفع من جودة النخب، وإسناد المسؤوليات إلى الكفاءات، وربطها بالنزاهة والاستحقاق وخدمة الصالح العام.
ومن هنا، يصبح من المشروع طرح الأسئلة التالية بكل وضوح:
بأي معايير تم اختيار المرشحات؟
ما موقع الكفاءة والمسار النضالي والإشعاع والنزاهة في هذه المعايير؟
وما موقع المساهمات المالية في عملية المفاضلة والحسم؟
إن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن هذا الاسم أو ذاك، ولا إعادة فتح نقاش شخصي حول مواقع انتهى الحسم فيها، وإنما تقديم جواب سياسي وتنظيمي واضح يحمي صورة الحزب ويصون ثقة مناضلاته ومناضليه.
فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اختيار مرشحة واستبعاد أخرى، بل في أن تصل إلى المناضلين رسالة مفادها أن سنوات العمل والتضحيات والحضور والكفاءة قد لا تكون كافية إذا أصبح للمال وزن يفوقها.
وهنا يصبح الصمت غير مفيد للحزب، كما أن تجنب طرح الأسئلة لا يحمي المؤسسة، بل يفاقم الشكوك حولها.
إن حماية الاتحاد الاشتراكي لا تكون بإبعاد النقاش عن الرأي العام، وإنما بامتلاك الشجاعة لتوضيح الوقائع، وشرح المعايير، وتحمل المسؤولية السياسية والتنظيمية عن الاختيارات المتخذة.
فالوفاء للحزب لا يعني تحصين القرارات من المساءلة، بل يعني إخضاعها للوضوح والشفافية بما يصون المؤسسة ويعزز مصداقيتها.
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية تقتضي تقديم توضيح صريح بشأن مسطرة اختيار المرشحات، والكشف عن المعايير التي اعتمدت فيها، وتحديد موقع المساهمات المالية منها بكل وضوح وشفافية.
إن المسألة، في نهاية المطاف، ليست شأنًا شخصيا. إنها سؤال في نزاهة القرار، وعدالة المعايير، ومصداقية الحزب، وصورة السياسة لدى المواطنات والمواطنين.
وحزب بتاريخ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وبما راكمته أجيال من مناضلاته ومناضليه من تضحيات، لا يليق به أن يرتبط اسمه بمنطق: «من يدفع أكثر؟»
فالترشيحات عابرة، والأشخاص يمرون، والمواقع تزول؛
أما المؤسسات والتاريخ والمصداقية فتبقى. والاتحاد الاشتراكي أكبر من الأشخاص، وأكبر من المواقع، وأكبر من أي اعتبار مالي.
منال التقال
عضوة المكتب السياسي
للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

