هل إسبانيا “بلد للعنصريين”؟!

هل إسبانيا “بلد للعنصريين”؟

مرة أخرى تنتاب النجم الدولي البرازيلي والمهاجم في صفوف النادي الملكي الإسباني ريال مدريد “فينيسيوس جونيور”، حالة من الغضب الشديد على إثر ما تعرض إليه من إهانات عنصرية، خلال مباراة الكلاسيكو التي جمعت فريقه بنادي برشلونة يوم السبت 27 أكتوبر 2023 ضمن الجولة الحادية عشرة من الدوري الإسباني بملعب “لويس كومباتيس” وانتهت بفوز الريال بحصة (1/2).

حيث أن بعض مشجعي الفريق الخصم الذين كانوا في المدرجات القريبة من دكة البدلاء، استغلوا فرصة إخراجه من قبل المدرب أنشيلوتي في الوقت بدل الضائع، لينهالوا عليه بالشتائم، واصفين إياه ب”القرد”، حتى أن أحدهم رمى بما يشبه قشرة موز بجواره، مما أخرجه عن طوره واستشاط غضبا في وجه مستفزيه من العنصريين الإسبان.
فما كان من نادي برشلونة إلا أن سارع إلى إصدار بيان رسمي يدين من خلاله هذا الفعل اللارياضي وغير الأخلاقي من طرف جمهور يفترض فيه أن يتحلى بالروح الرياضية العالية واحترام لاعبي الفرق المنافسة وأنصارها، يقول فيه: “سيدافع نادي برشلونة دائما عن قيم كرة القدم والرياضة واحترام المنافسين، ولهذا السبب سنحقق في أي إهانة عنصرية قد تكون حدثت اليوم خلال المباراة ضد ريال مدريد”.
والنجم المتميز فينيسيوس الذي طالما أرعب بمراوغاته وتسديداته دفاعات وحراس الأندية المنافسة لفريقه في الدوري الإسباني وغيره من البطولات، هو نفسه الذي سبق أن تعرض لإساءات مماثلة خلال المقابلة التي انهزم فيها ناديه أمام فريق “فالنسيا” بحصة (1/0) يوم الأحد 21 ماي 2023 بملعب “ميستايا” لحساب الجولة 35 من موسم 2023/2024، مما دفع به إلى أن يكتب عبر موقع تويتر “لم تكن المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة، العنصرية معتادة في الدوري الإسباني، إدارة المسابقة تعتبرها عادية، الاتحاد الإسباني يعتبرها طبيعية، والمنافسون يشجعونها” وأضاف “إسبانيا بلد جميل، رحب بي وأحببته، لكنه يقبل أن يصدر للعالم صورة الدولة العنصرية، أشعر بالأسف تجاه الإسبانيين الذين لا يتفقون معي، لكن اليوم في بلدي البرازيل أصبح الجميع مقتنعا بأن إسبانيا أصبحت بلدا للعنصريين”
وهو ما أثار ردود فعل غاضبة ليس فقط من قبل لاعبي ومناصري نادي ريال مدريد، بل كذلك من طرف عدة شخصيات رياضية وسياسية ونجوم كروية. مما أدى حينها إلى دخول الحكومة البرازيلية على الخط التي لم تتأخر في استدعاء السفير الإسباني لاستجلاء حقيقة الأمر حول تلك الواقعة التي تعرض فيها أحد أبناء الشعب البرازيلي إلى الإهانة العنصرية أمام آلاف الجماهير، واتهمت الخارجية البرازيلية السلطات الإسبانية بالقصور وعدم اتخاذ ما يكفي من إجراءات صارمة في التصدي لمثل هذه الأفعال العنصرية الذميمة، فيما اعترف رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم “لويس روبياليس” بأن كرة بلاده تعاني من مشكلة العنصرية، واعدا بأنها ستقوم بما يلزم من جهود في اتجاه مكافحة هذه المعضلة المقيتة.
فإسبانيا ليست بلدا عنصريا وإنما هناك أشخاص عنصريون كما هو الحال في جميع بلدان العالم، حيث أن شرارة العنصرية في الملاعب الأوروبية انطلقت منذ عقود، وقد سبق للاتحاد الدولي والاتحاد الأوروبي أن أطلقا بمعية السلطات الأوروبية مبادرات وتشريعات تهدف إلى مكافحة هذه الظاهرة البغيضة داخل الملاعب الرياضية، غير أن كل تلك الجهود المبذولة ذهبت سدى.

إذ لم يعد غريبا على أحد أن تلجأ بعض الجماهير هنا وهناك إلى وصف اللاعبين السود بالقرود كيفما كانت مهاراتهم وشهرتهم العالمية.

ذلك أنه على مدى زمن طويل والهتافات تتخذ شكل أصوات القردة، ولاسيما عندما يتسلم اللاعب الأسود الكرة فوق المستطيل الأخضر، ثم لم يلبث الأمر أن تطور في اتجاه رمي ثمار الموز داخل الملاعب.
وفي الوقت الذي كشفت فيه إحدى الدراسات لباحثين من المركز الأوروبي لمراقبة العنصرية وكراهية الأجانب، عن استغلال اليمين المتطرف في القارة العجوز الشغف باللعبة الأكثر شعبية في العالم، واستخدامه ملاعب كرة القدم مجالا خصبا لنشر أفكاره ومبادئه العنصرية بين الجماهير الأوروبية، ويستنكر فيه أيضا الكثير من الخبراء الرياضيين مثل هذه الممارسات الدنيئة، مؤكدين على أن ما يتعرض إليه اللاعبون السود والأفارقة والمسلمون في أوروبا غالبا ما يقف خلفه فاشيون ومتطرفون من أحزاب يمينية، فإن هناك في المقابل من يرون أن ما تشهده ملاعب كرة القدم الأوروبية من أعمال شغب وهتافات وتصرفات عنصرية لا يعدو أن يكون أمرا طبيعيا، يندرج في إطار التعصب الكروي.

وأن ما يلاقيه اللاعب فينيسيوس وغيره من اللاعبين السود وغيرهم يعود إليهم هم أنفسهم، لأنهم يتعمدون في الكثير من الأحيان استفزاز منافسيهم، سواء كانوا لاعبين داخل رقعة الملعب أو من الجمهور في المدرجات.
إن الرياضة عامة وكرة القدم بصفة خاصة، هي أولا وقبل كل شيء رسالة تربوية عميقة تسعى إلى تهذيب النفوس، تدعو إلى الحلم والتسامح ونبذ كل أسباب الكراهية والتعصب والعنصرية داخل الملاعب الرياضية، ومن أخلاقيات ممارسيها بمختلف أنواعها ومناصري الأندية الرياضية، التحلي بالقيم النبيلة والروح الرياضية العالية واحترام الآخر دون استفزاز مشاعره مهما كانت عقيدته أو لونه أو عرقه…
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*