مشاريع تعلن… ثم تختفي: أين تذهب الوعود التنموية؟

مشاريع تعلن… ثم تختفي: أين تذهب الوعود التنموية؟

سياسي: رشيد لمسلم

في كل مرة يعلن فيها عن مشروع تنموي جديد، يتجدد الأمل في تحسين شروط العيش، وتستعاد لغة التفاؤل المصحوبة بالأرقام والآجال والتصريحات الرسمية.

تلتقط الصور، توقع الاتفاقيات، ويقدم المشروع كخطوة إضافية في مسار التنمية.

غير أن جزء من هذه المشاريع، بعد خروجه إلى دائرة الضوء، سرعان ما يتوارى عن الأنظار، ليترك خلفه أسئلة أكثر من الأجوبة.

ليست المشكلة في الإعلان في حد ذاته، بل فيما يحدث بعده.

إذ تتكرر حالات مشاريع تنطلق ثم تتوقف، أو تستكمل شكليا دون أن تؤدي وظيفتها، أو تبقى عالقة بين مراحل التنفيذ دون تفسير واضح.

على الأرض، يمكن ملاحظة ورشات متوقفة، أو بنايات جاهزة لكنها مغلقة، أو برامج لم تصل إلى الفئات التي وجهت إليها.

وفي غياب تواصل مؤسساتي منتظم يشرح أسباب هذا التعثر، يتحول الصمت إلى عنصر إضافي في تعقيد المشهد.

تتبع مسار هذه المشاريع يكشف أن التعثر لا يعود غالبا إلى سبب واحد، بل إلى سلسلة من الاختلالات المتراكمة.

فقد يتم الإعلان عن مشاريع قبل استكمال الدراسات التقنية أو قبل تأمين الموارد المالية بشكل كامل، ما يجعلها عرضة للتأجيل منذ البداية.

وفي مراحل لاحقة، قد تظهر صعوبات مرتبطة بالتمويل أو بإجراءات الصفقات، أو تتعثر الأشغال بسبب مشاكل ميدانية أو ضعف في أداء الشركات المكلفة بالتنفيذ.

غير أن الحلقة الأكثر هشاشة تبقى في كثير من الأحيان هي التتبع والمراقبة، حيث تغيب آليات صارمة تضمن الاستمرارية وتحدد المسؤوليات بدقة.

في هذا السياق، يصبح المواطن هو الطرف الأكثر تأثرا، لأنه لا يتعامل مع التفاصيل الإدارية بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة.

وعندما يتأخر مشروع كان يفترض أن يوفر خدمة أساسية أو يخلق فرص عمل، فإن أثر ذلك يتجاوز الجانب التنموي ليصل إلى مستوى الثقة.

فالمشاريع التي لا تكتمل لا تُنسى بسهولة، بل تتحول إلى علامات على فجوة بين ما يُقال وما يتحقق.

يزداد هذا الوضع تعقيدًا مع تداخل الأدوار بين مختلف المتدخلين، من إدارات مركزية وجماعات ترابية ومؤسسات عمومية وشركاء من القطاع الخاص.

هذا التعدد، في غياب تنسيق واضح وآليات دقيقة لتوزيع المسؤوليات، يجعل من الصعب تحديد الجهة التي تتحمل تبعات التعثر.

ومع غياب محاسبة واضحة، تستمر بعض المشاريع في وضعية “معلقة”، لا هي ملغاة رسميا ولا هي مكتملة فعليا.

ولا تقتصر كلفة هذا التعثر على الجوانب المالية، رغم أهميتها، بل تمتد إلى أبعاد أعمق تمس نجاعة السياسات العمومية نفسها.

فكل مشروع لم يكتمل يعني خدمة لم تقدم، وفرصة لم تستثمر، وانتظارا إضافيا يفرض على فئات واسعة من المواطنين.

كما أن تراكم هذه الحالات يضعف منسوب الثقة في البرامج المعلنة، ويجعل من كل إعلان جديد موضع تساؤل بدل أن يكون مصدر طمأنينة.

في المقابل، لا تبدو الحلول بعيدة أو مستحيلة، إذ يطرح عدد من المتتبعين أهمية تعزيز الشفافية عبر نشر معطيات دقيقة ومحينة حول تقدم المشاريع، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح في كل مرحلة، إلى جانب تفعيل آليات التقييم والمراقبة وربطها بالمحاسبة الفعلية.

كما أن تحسين التواصل مع المواطنين، خاصة فيما يتعلق بأسباب التأخر أو التعثر، يمكن أن يساهم في تقليص فجوة الثقة.

في النهاية، لا يتعلق التحدي بعدد المشاريع التي يتم الإعلان عنها، بل بقدرة هذه المشاريع على الوصول إلى نهايتها وتحقيق أثرها الفعلي.

فبين لحظة الإعلان ولحظة الإنجاز، تتحدد مصداقية العمل العمومي، ويتشكل تصور المواطن عن جدوى السياسات الموجهة إليه.

وبين وعود تعلن وأخرى تنتظر التحقق، يبقى السؤال مفتوحا: هل المشكلة في المشاريع نفسها، أم في الطريق التي تسلكه قبل أن ترى النور؟

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*