أتاي الأحد
القاهرة… زحمة يا دنيا زحمة
كتبها: عبد الرفيع حمضي
“زحمة يا دنيا زحمة”… ليست مجرد أغنية، بل مفتاح لقراءة وفهم مدينة تختزل وطنا.
حين تتحرك داخل القاهرة تشعر أن العبارة التي غناها احمد عدوية لم تكن وصفا عابرا، بل تشخيصا دقيقا لحالة يومية يعيشها الملايين.
هنا، لا يتعلق الأمر فقط بعدد السيارات، بل بإيقاع حياة يتسارع الى حد الاختناق، دون أن يتوقف.
ولعل هذا الاحساس ليس جديدا. فقد كتب ابن بطوطة منذ القرن الرابع عشر، أن القاهرة “تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وامكانها”.
كأن الزمن تغير… لكن الايقاع ظل كما هو.
في هذا الامتداد البشري، يتحول الطريق الى اختبار يومي للقدرة على التكيف. الاسبقية لا تمنح، بل تنتزع بالتفاوض لحظة بلحظة. الاشارة الضوئية موجودة، لكن احترامها… فيه نظر. وممرات الراجلين—ان وجدت—تبدو اقرب الى رسم هندسي منها الى قاعدة ملزمة.
وكأن ما قدمه فيلم “اشارة مرور” للمخرج خيري بشارة لم يكن بعيدا عن هذا السياق: اشارة قائمة… لكن معناها يظل مفتوحا على التأويل.
وفي قلب هذا المشهد، يقف رجل الامن.
ليس فقط لتطبيق القانون، بل لاعادة انتاجه في كل لحظة. يلوح بيده، يوقف هذا ويسمح لذاك، يحاول أن يصنع توازنا هشا، لكنه ضروري.
وانت تراقبه، لا تفكر في القانون، بل في الانسان: كيف يمكن أن يدير يوميا هذا القدر من الضغط، وسط ضجيج لا ينقطع وهواء مثقل بالتلوث؟
هنا، يصبح الطريق درسا في الصبر… للجميع.
ولا تبدو هذه الصعوبة مجرد انطباع. فمؤشرات الازدحام تضع القاهرة ضمن اكثر مدن العالم اختناقا، فيما تتجاوز مستويات التلوث بكثير ما توصي به منظمة الصحة العالمية
ارقام باردة… لكنها تترجم واقعا يوميا حارا.
وربما لهذا السبب، يكتسب يوم 4 ماي، اليوم العالمي للمرور، معنى خاصا هنا.
ليس فقط كتذكير باحترام القواعد، بل كدعوة لاعادة التفكير في علاقتنا بالطريق: هل هو فضاء مشترك… ام مجرد ساحة فردية للنجاة؟
تخيل فقط لو اصبح هذا اليوم في القاهرة يوما بلا سيارات… سيكون ذلك تمرينا جماعيا على فكرة بسيطة: ان الطريق للجميع، ويحكمه قانون، والسياقة اولا فن وذوق واخلاق.
ومع ذلك، فالقاهرة لا تقف عند صعوباتها.
من يعرفها منذ سنوات، يدرك أن شيئا ما تغير.
كان التنقل سابقا مغامرة مفتوحة: سيارات اجرة بلا عداد، تفاوض دائم، وشعور بعدم اليقين.
اليوم، مع تطبيقات مثل inDriver وUber، اصبح الطريق اكثر قابلية للتوقع، واكثر هدوءا.
لكن هذا التحول يكشف بدوره حقيقة اعمق. فالسائق الذي ينقلك، غالبا، ليس سائقا بالمعنى التقليدي.
هو امين شرطة، او استاذ، او صحفي، او طالب… يقود لا لانه اختار ذلك كمهنة، بل لانه مضطر اليه كخيار اضافي.
وهنا، يتحول الطريق من مسألة تقنية الى مؤشر اجتماعي: المدينة لا تتحرك فقط بالسيارات، بل ايضا بحاجات الناس.
وهكذا نعود الى البداية.
“زحمة يا دنيا زحمة”… ليست مجرد جملة، بل فلسفة خفيفة لحياة ثقيلة.
الزحام ليس حادثا عابرا، بل اسلوب عيش.
يتكيف معه الناس، ويعيدون داخله ترتيب حياتهم، كل يوم، دون أن ينتظروا الكمال.
في النهاية، قد يبدو الطريق في القاهرة مرهقا، غير منطقي احيانا… لكنه يعكس ما هو اعمق:
مجتمع يتحرك رغم كل شيء.
وبين ما يقال وما لا يقال… سيروا على الله
