إنت تطلع ابن مين ؟
كتبها: عبد الرفيع حمضي
في أواخر الثمانينيات، كنت أقرأ بانتظام إحدى الجرائد الوطنية المحترمة.
وكانت صفحاتها الداخلية تخصص حيزا لأخبار المدن والأقاليم التي يبعث بها المراسلون المحليون: حادثة هنا، نزاع هناك، وأخبار الحياة اليومية التي لا تصل عادة إلى الصفحة الأولى.
ذات يوم، استوقفني عنوان بارز: «ابن رجل سلطة يصدم طفلا بسيارته».
كنت أعرف المدينة، وأعرف «رجل السلطة» المقصود. والمفاجأة أن الأمر لم يكن يتعلق بعامل أو وال أو مسؤول كبير، بل بمقدم الحي.
ويومها، كان المقدم، حسب تعبير الأستاذ اليعقوبي، أستاذ القانون الإداري بفاس، «الحلقة الضعيفة في الجهاز الإداري المغربي».
تساءلت يومها: ما علاقة وظيفة الأب بحادثة سير ارتكبها الابن؟ ولماذا يصبح الأب جزءا من الخبر، وربما أهم من الحادثة نفسها؟
مرت قرابة أربعين سنة، تغير خلالها الإعلام والمجتمع، وانتقلنا من مراسلي الأقاليم إلى المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن السؤال بقي حاضرا.
فقبل أيام، أوقف ابن أحد الوزراء إثر احتكاك مع رجال الأمن.
وبحسب ما تم تداوله، لم يحسن التصرف، وصدرت عنه إساءة تجاه أحد رجال الأمن.
تم توقيفه ووضعه تحت الحراسة النظرية، ثم عرض على النيابة العامة التي قررت متابعته في حالة سراح.
إلى هنا، يفترض أن تنتهي الحكاية العامة وتبدأ الحكاية القضائية. شاب أخطأ، تدخلت الشرطة، وطبقت المسطرة، واتخذت النيابة العامة قرارها.
لا ينبغي أن يغير من الأمر شيئا أن يكون أبوه وزيرا أو موظفا أو تاجرا أو أجيرا.
لكن اسم الأب غطى، مرة أخرى، على فعل الابن.
وهنا تذكرت أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام و«كلب الست».
في تلك القصيدة الساخرة، يحكي نجم واقعة الشاب إسماعيل مع كلب أم كلثوم، قبل أن تتحول الحكاية الصغيرة إلى نقد ساخر للنفوذ والفوارق الاجتماعية.
وتبلغ المفارقة ذروتها في السؤال: «إنت تطلع ابن مين؟».
أي أن الكلب عرفنا صاحبته، أما أنت، فابن مين؟
كان السؤال يومها احتجاجا على مجتمع يحدد مكانة الإنسان، ومقدار الحماية التي يستحقها، بالإجابة عن سؤال أساسي: من يكون أبوه؟
بعد نصف قرن تقريبا، بقي السؤال حيا، لكن وظيفته انقلبت أحيانا.
فإذا كان «إنت ابن مين؟» يطرح لمعرفة مقدار الحماية التي يمكن أن يحصل عليها الشخص، فإنه قد يطرح اليوم لمعرفة مقدار الهجوم الذي يمكن أن يتعرض له.
وهنا تصبح القضية أعمق من خبر عابر.
فالعلاقة بالسلطة في مجتمعاتنا ليست علاقة بالقانون والمؤسسات فقط، بل هي أيضا علاقة بالذاكرة؛ ذاكرة تراكمت فيها صور عن الامتياز والنفوذ وعدم تكافؤ الفرص والإفلات من المحاسبة.
لذلك، عندما يخطئ ابن مسؤول، لا يرى فيه البعض شابا أخطأ فقط، بل امتدادا للأب وللسلطة وللامتياز المفترض.
من هنا نفهم الارتياح عندما يطبق القانون على ابن مسؤول. أن يقول المواطن: جيد أن الشرطة قامت بعملها رغم اسم الأب، فهذا شعور مشروع، لأنه تعبير عن مطلب المساواة أمام القانون.
لكن هناك فرقا كبيرا بين الارتياح للمساواة والفرح بمصيبة الآخر.
الأول بحث عن العدالة، والثاني قد يتحول إلى انتقام رمزي.
والتاريخ الإنساني عرف طويلا منطق المسؤولية الجماعية: يخطئ الفرد فتدفع العائلة أو القبيلة الثمن، ويمتد الثأر من الشخص إلى أقربائه. وكان من التحولات الكبرى التي صاحبت بناء الدولة الحديثة ترسيخ مبدأ شخصية المسؤولية والعقوبة: لا يؤاخذ الإنسان إلا على فعل ارتكبه هو.
لكن يبدو أحيانا أن القانون أصبح أكثر حداثة من مخيالنا الاجتماعي.
ثم إننا نحمل التربية أكثر مما تحتمل.
فأفضل الأسر تربية قد يخطئ أحد أبنائها.
والشباب يتهورون، وقد يتصرف أحدهم في لحظة غضب بطريقة لا تشبه تربيته ولا حياته كلها.
وما وقع لابن وزير يمكن أن يقع لابن عامل أو ابن أجير، ويمكن، بكل بساطة، أن يقع لأحد أبنائنا.
لا ينبغي لاسم الأب أن يحميه، وهذا بديهي.
لكن لا ينبغي لاسم الأب أن يتحول إلى عقوبة إضافية.
ربما لهذا بقي سؤال أحمد فؤاد نجم حيا: «إنت تطلع ابن مين؟».
لكن المجتمع الذي يريد أن يكون حداثيا يحتاج إلى سؤال آخر: ماذا فعلت؟ لا: من يكون أبوك؟
وبين ما يقال وما لا يقال… عرفنا صاحبة الكلب، وعرفنا والد الشاب، لكن العدالة لا تحتاج إلى معرفة أي منهما. يكفيها أن تعرف من ارتكب الفعل، وأن تحاسبه عليه، لا أكثر ولا أقل.
