عيد أضحى بطعم المكر والغدر!

عيد أضحى بطعم المكر والغدر!

      بعد أن قضى المغاربة عشر سنوات عجاف إبان تولي حزب “العدالة والتنمية” ذو المرجعية الإسلامية، قيادة الحكومة لولايتين متتاليتين (2012/2021) مباشرة بعد اندلاع الشرارة الأولى من ثورات الربيع العربي في عام 2011، وتجرعوا خلالهما المرارة من حيث الظلم والقهر والتهميش وسوء التدبير.

بالإضافة إلى ما اتخذ من قرارات جائرة تحت ذريعة “الإنقاذ المالي والتوازنات الكبرى”، وأدى إلى الإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية من تقاعد وإضراب وتوظيف مباشر، فرض “نظام التعاقد” في قطاع التعليم تسقيف سن اجتياز مباريات ولوج أسلاك التعليم، تحرير أسعار المحروقات وما ترتب عنها من ارتفاع قياسي في أسعار المواد الأساسية، أضرت كثيرا بالقدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة…

      كان رهانهم كبيرا على أن تكون الحكومة الموالية أفضل حالا بكثير من حكومتي عبد الإله ابن كيران وخلفه سعد الدين العثماني، وبالفعل استبشر المواطنون خيرا بنتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 التشريعية التي أعطت الصدارة لثلاثة أحزاب التجمع الوطني للأحرار برئاسة عزيز أخنوش (102 مقعد)، الأصالة والمعاصر بقيادة عبد اللطيف وهبي (86 مقعدا)، الاستقلال بقيادة نزار بركة (81 مقعدا)، فيما تقهقر حزب العدالة والتنمية إلى المرتبة الثامنة ب”13″ مقعدا فقط في مجلس النواب من أصل 395 نائبا…

      بيد أنهم لم يلبثوا أن اكتشفوا منذ الشهور الأولى أنهم وقعوا ضحية خدعة كبرى، وأن الحكومة التي راهنوا عليها كثيرا وأطلق عليها اسم “حكومة الكفاءات” ليست أحسن حالا من سابقتيها إن لم تكن هي الأسوأ في تاريخ المغرب المعاصر، لأنها رفعت سقف وعودها خلال الحملة الانتخابية إلى ما هو أعلى من الواقع الاقتصادي والسياسي، ولم تستطع تدارك نقائص الحكومات السابقة من حيث تحسين ظروف عيش المواطنين وبناء “الدولة الاجتماعية”، تسريع وتيرة تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية في ظل أزمة التضخم وما رافقها من ارتفاع مهول في أسعار المحروقات وانعكاسها على باقي المواد الغذائية، وهو ما أدى إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن عدم الوفاء بالتزاماتها على مستوى التشغيل (مليون منصب شغل)، والحد من معدلات الفقر والهدر المدرسي، ومعالجة عديد الملفت مثل “نظام التعاقد” و”أزمة الماء” و”أزمة القطاع الفلاحي” وغيره كثير…

      وفوق هذا وذاك تظل الطامة الكبرى، هي ما حدث بمناسبة إحياء شعيرة عيد الأضحى 1447/2026، إذ أنه وبعد أن استجاب المغاربة لعاهلهم المفدى بصفته أميرا للمؤمنين حين أبى إلا رفع الحرج عنهم وحماية القطيع الوطني الذي تضرر كثيرا من سنوات الجفاف، من خلال توجيه رسالة سامية إليهم يوم: الأربعاء 26 فبراير 2025 يهيب بهم عبرها بتعليق شعيرة نحر أضحية العيد خلال سنة 1446/2025 بسب التراجع الكبير في أعداد المواشي إثر ما شهده المغرب في السنوات السبع الماضية من تحديات مناخية واقتصادية، معلنا عن عزمه ذبح الأضحية نيابة عن عموم الشعب، اقتداء بسنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، حين ذبح كبشين وقال: “هذا لنفسي وهذا عن أمتي”

      اعتقادا منهم أن تعليق شعيرة الذبح سيساهم لا محالة في إعادة تشكيل القطيع الوطني وتزايد أعداده، ومن ثم تراجع أسعار اللحوم الحمراء وأضاحي العيد، لاسيما أن الدولة خصصت 13 مليار درهم كدعم من أجل استعادة القطيع الوطني عافيته، وأن رئيس الحكومة عزيز أخنوش قام بطمأنتهم عندما صرح من تحت قبة البرلمان بتوفر المغرب خلال هذه السنة على 40 مليون رأس من الأغنام، وأن العرض من الأضاحي يفوق الطلب، حيث سيتم تخصيص ما بين 7 و8 ملايين رأس لأضاحي العيد مقابل طلب لا يتجاوز 6 ملايين رأس.

      فإذا بهم يباغتون قبل حلول موعد العيد بيومين ليس فقط بارتفاع أسعار الأضاحي إل مستويات خيالية، بل ويكتشفون كذلك اختفاء شبه تام للخرفان من الأسواق. وهنا يطرح السؤال حول ما سبق لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري أن كشف عنه من معطيات رسمية أمام ممثلي الأمة وملايين المشاهدين بخصوص وفرة الأضاحي وتجاوز العرض لحاجيات السوق الوطنية، وتراوح أسعار الأضاحي ما بين ألف وألفين درهم؟ وكلها عوامل ساهمت في إثارة حالة من التذمر والفوضى، وصلت حد الهجوم على الباعة بالحجارة والتدخل الأمني في أسواق بعض المدن، في ظل تنامي منسوب الاحتقان والغضب الشعبي من التفاوت الحاصل بين التصريحات الرسمية وواقع الأسواق…

      إننا نرفض بشدة مثل هذا التلاعب المكشوف بمشاعر المواطنين وحرمانهم من إحياء شعيرة النحر للسنة الثانية على التوالي، خاصة أن تصريحات رئيس الحكومة ووزير الفلاحة أكدت في أكثر من مناسبة وفرة القطيع الوطني والقدرة على تلبية حاجيات جميع المواطنين بشكل مريح، بينما الواقع غير ذلك نهائيا من حيث الغلاء الفاحش لأسعار الأضاحي وغيابها المفاجئ بعدد من المناطق، علاوة على استمرار تحكم الوسطاء والمضاربين في الأسواق، رغم حجم الدعم العمومي الكبير الموجه للقطاع واستيراد المواشي وتهاطل الأمطار بغزارة خلال هذه السنة تحديدا.

      وأمام هذه الفضيحة المدوية التي ستظل راسخة في أذهان المغاربة، بات من الضرورة بمكان خروج كل من رئيس الحكومة أخنوش ووزير الفلاحة البواري عن صمتهما الرهيب، للكشف أمام الجماهير الشعبية عن الأسباب الكامنة خلف ارتفاع أسعار الأضاحي وما حدث فجأة من ضعف العرض وانعدامه…

اسماعيل الحلوتي

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*