الحبوب الوطنية بين مطرقة الاستيراد وسندان الإهمال
عاد ملف تسويق الحبوب الوطنية إلى واجهة النقاش الفلاحي بعد المداخلة التي قدمها جليل الداودي، عضو الغرفة الفلاحية لجهة الرباط سلا القنيطرة، خلال الدورة الأخيرة للغرفة، حيث نبه إلى الوضعية الصعبة التي يعيشها منتجو الحبوب بسبب تعثر تسويق محصولهم في وقت تواصل فيه الحبوب المستوردة اكتساح السوق الوطنية.
إن المفارقة الصادمة التي يعيشها الفلاح المغربي اليوم تتمثل في التكاليف المرتفعة للإنتاج لم تمنعه من مواصلة العمل والإنتاج، لكنه يجد نفسه بعد الحصاد عاجزاً عن بيع محصوله بثمن منصف يضمن له استرجاع جزء من استثماراته. فبدل أن يحظى الإنتاج الوطني بالأولوية والدعم، يجد نفسه في منافسة مباشرة مع واردات أجنبية تستفيد من ظروف تسويقية أفضل، في ظل غياب إجراءات فعالة لحماية المنتوج المحلي.
لقد استبشر الفلاحون خيراً بالموسم الحالي بعد تحسن التساقطات المطرية وعودة الأمل إلى الحقول، غير أن فرحة الحصاد سرعان ما تحولت إلى قلق حقيقي بسبب ضعف الإقبال على اقتناء الحبوب الوطنية وتراجع الأسعار إلى مستويات لا تعكس حجم التكاليف التي تحملها المنتجون طوال الموسم.
وأمام هذا الوضع، أصبح آلاف المزارعين مهددين بخسائر مالية قد تؤثر على قدرتهم على مواصلة النشاط الفلاحي خلال المواسم المقبلة.
وإذا كان تأمين حاجيات السوق الوطنية من الحبوب يظل هدفاً مشروعاً، فإن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب المنتج الوطني.
فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بتوفير المخزون، بل يقاس أيضاً بقدرة الفلاح المغربي على الاستمرار في الإنتاج.
ولا يمكن الحديث عن سيادة غذائية حقيقية في ظل سياسات تجعل المنتج المحلي الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة.
إن ما يثير الاستغراب هو استمرار تدفق الحبوب المستوردة في فترة حساسة يحتاج فيها الفلاح إلى تصريف محصوله. فالدول التي تحترم قطاعها الفلاحي تضع آليات لحماية الإنتاج الوطني خلال مواسم التسويق، سواء عبر تنظيم الواردات أو دعم التخزين أو توفير أسعار تحفيزية.
أما ترك السوق مفتوحة دون ضوابط كافية، فإنه يضعف القدرة التنافسية للحبوب الوطنية ويؤدي إلى تراجع مداخيل المنتجين.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الوضعية قد يدفع عدداً متزايداً من الفلاحين إلى التخلي عن زراعة الحبوب مستقبلاً، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع التبعية للخارج في مادة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي للمغاربة. فحين يفقد الفلاح الثقة في جدوى الإنتاج، تصبح كل البرامج والاستراتيجيات الفلاحية مهددة بفقدان فعاليتها على أرض الواقع.
إن الرسالة التي حملتها مداخلة جليل الداودي داخل الغرفة الفلاحية لا تخص منطقة بعينها، بل تعبر عن انشغال واسع لدى مزارعي الحبوب عبر مختلف جهات المملكة.
وهي دعوة صريحة إلى مراجعة السياسات المعتمدة في هذا المجال وإقرار إجراءات عاجلة تضمن تسويق الإنتاج الوطني في ظروف عادلة ومنصفة.
فالفلاح المغربي لا يطلب امتيازات استثنائية، بل يطالب فقط بحق مشروع: أن يجد لمحصوله سوقاً عادلة، وأن تحظى جهوده بالحماية والتقدير، وأن لا يتحول نجاح الموسم الفلاحي إلى مصدر جديد للخسارة .
