ثقافة الاعتراف بالأخطاء

خـاطـرة: 

ثقافة الاعتراف بالأخطاء 

لماذا أحببت قلم الرصاص والمنجرة والممحاة؟

بقلم عبد الهادي بريويك

حين تضيق بنا سبل الحرف، وتتلاطم في صدر الوطن والروح أمواج الأيام، ألتجئ إلى ركن هادئ على طاولة فكري، لأعانق أداة لا تشبه شيئا سواها؛ أُحبّ قلم الرصاص، والمنجرة، والممحاة.. لا لأكتب سطرا عابرا، بل لأنني أرى فيها ملحمة أمة، وقصة إنسان، ونبضة قلب.

أولا: قلم الرصاص (هوية الإنسان وحرية الأوطان)

أحببت قلم الرصاص منذ صغري ولا يفارقني رفقة أصدقاءه، لأنه يرفض استبداد الحبر وقسوته؛ فهو لا يكتب على جرح الورق أمرا قسريا، بل يكتب تواضعا، ويقترح فجرا، وينحني كشجرة زيتون تدافع عن بياض صفحتها.

إنه سياسيا رمز الثائر النبيل الذي يعلم أن الأوطان لا تبنى بالحديِ الصدئ، بل بالحرية الرقيقة والكلمة الصادقة.

وهو عاطفيا خفقان المحبّ حين يرتبك بثيابه الأولى أمام عيني معشوقه، يكتب شوقه بخفة، مترقبا رجفة القبول، بلا غرور ولا تعالي.

ثانياً: الممحاة (عدالة الاعتذار وصفاء الوجدان)

وأحببت الممحاة؛ تلك الحنونة التي تمسح دمع الزلل بصمت وتفان.

اجتماعيا واعتذارا، هي الشجاعة الكبرى حين يدرك المخطئ أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن التمادي في العناد ظلم للذات والآخرين. فمن يعشق الخطأ بلا توبة، كمن يترك أوراقه سوداء مشوهة. الممحاة هي التسامح الذي يعيد للقلوب بياضها، وللصفحاتِ طهارتها.

عاطفيا، هي الغفران الذي يغسل شحوب الخصام، لتعود الحكاية أبهى مما كانت، كأن شيئا من وجع الفراق ما كان.

ثالثاً: المنجرة (ألم الصقل واستمرارية المسير)

وأما المنجرة، فتلك هي حكمة القدر التي توجعنا قليلا لكي تبقينا حادين، واعين، ومستمرين.

سياسيا واجتماعيا، هي المحن والشدائد التي تسقط زيف القشور وتبقي على جوهرِ المبادئ؛ فلا استمرارية بلا صقل، ولا نهضة لأمة تهرب من ألم التغيير ومشرط الإصلاح.

وعاطفيا، هي التجارب التي تهذب الأرواح، فتجعلنا ندرك أن كل انكسار مؤقت، ليس سوى إعداد لأفق أرحب، وعطاء أصدق.

هذا هو سر عشقي؛ قلم الرصاص يكتب حلم البدايات، والممحاة تغسل خطاي بنقاء الاعتذار، والمنجرة تصقل روحي لأستمر في المسير. إنها فلسفة الوجود المنسوجة برقة السجع وصفاء الروح؛ لنرتقي بشجاعة التراجع، وعزيمة الاستمرار، وصدقِ المحبة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*