” حشومة” ، كلام المسؤول السياسي أصبح منحطا و ” زنقاويا”
كتبها: إدريس الأندلسي
تنظيم الحلقة في ساحات مدننا كانت تتطلب خبرة و معرفة بالثقافة في احياءنا الشعبية.
يتسابق الزعماء لتقليد ” الحلايقية” دون تأثير يذكر على جمهور يأتي للقاعات ضمن صفقة مع منظمي الحفلات تتضمن تأثيث بشريا و غذائيا مع تصفيق مضمون .
لم يتغير المشهد السياسي ببلادنا إلا في شكله و تراجع القيمة الثقافية و المهنية لأغلبية المرشحين .
ظهرت مهن جديدة في محيط الانتخابات تمثلت أساسا في ” الحياحة ” و البلطجية بأجر و سماسرة تجهيز القاعات بالجمهور و بالأكل المناسب للفقراء، و كذلك بعض خبراء التواصل الذين نصحوا أغلب قيادات الاحزاب بإعادة الوهج إلى أسلوب ” الحلقة” كما عرفتها كثير من المدن في ساحات جامع الفنا و لهديم و باب فتوح و سيدي عبد الوهاب.
لكن هذا الأسلوب الخطابي و المسرحي استخدم في التجمعات الانتخابية الأمريكية أمام جماهير تعودت على البهرجة و أشكال الفرجة المبهرة، عكس حلقاتنا التقليدية البسيطة و التي تتطلب كثيراً من التفوق في مجالات التعبير باللسان و الجسد الجاذب للجمهور.
ظهر قادة أحزابنا يتحركون بطريقة مثيرة للتهكم وسط القاعات، و زادت قلة الخبرة في مجال الارتجال الأمر أكثر صعوبة مع اقتراف أخطاء في إيصال الخطابات.
تذكرت ما حكاه لي أحد مناضلي الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حين سمحت الدولة بفتح التلفزيون العمومي الوحيد آنذاك، في وجه زعماء الأحزاب السياسية خلال الإنتخابات التشريعية لسنة 1984.
يقال أن الملك الراحل، الحسن الثاني اطلع على الأشرطة المسجلة لكافة زعماء الأحزاب و لاحظ الفرق الكبير بين شكل و مضمون خطاب زعماء المعارضة ، و خصوصا خطاب عبد الرحيم بوعبيد ، و نظراءهم في الأغلبية التي كانت تضم إلى جانب الحركة الشعبية، أحزابا صنعتها الإدارة قبل و خلال تولي مهندس الخريطة البرلمانية و تلك التي تتعلق بالمجالس الترابية، الراحل إدريس البصري في إطار تكليف تسبب فيما نعيشه اليوم.
و يعرف المغاربة الذين عاشوا خلال فترة الاستقلال ، و السنوات التي تلتها ، أهمية ربط كلام المسؤول السياسي بتصوره للعلاقة المقدسة بين القول و الفعل .
لا زال شباب بلادنا ، و حتى اليافعون منهم ، ينبهرون بالجيل السياسي الذي رافق الملك الحسن الثاني.
الكلام الذي كان يؤثث الخطابات السياسية لم يكن متاحا لغير المؤهلين.
و هذا لا يعني أن هناك حواجز كانت توصد في وجه حرية التعبير.
كان كل حزب، و حتى كل حركة اجتماعية أو سياسية تعمل في العلن أو في السرية، تعمل على أن تكون خطاباتها ذات قيمة بكل معايير ” قدسية” الخطاب لكي يكون حرا، و لكن متسلحا بالمنهجية التي تجيب على أسئلة: ” من يتكلم، و متى ، و أين، و كيف، و لماذا” .
هذا ما تعلمناه في معهد عال للعلوم السياسية.
و لا يغفل هذا المنهج ما تمت اضافته علوم التحليل النفسي لشخصية المسؤول السياسي.
و أعتذر على استخدام هذا الوصف في كلامي على من” هب و دب ” .
تكلم كل الزعماء مستعملين كل أنواع الكلام الذي يعادي تطور استعمال اللغة كوسيلة للعبور إلى الرقي الحضاري. تكلم شابات و شباب الأحزاب مستخدمين عبارات تبين رأسمالا لا ماديا في مجال ” قاموس المعيار” كما تغنى بذلك الفنان الراحل العمري في أغنيته الجميلة التي تحكي قصة ” حكايتو مع نسيبتو حكاية”.
و كم ابهرني سلبيا شباب و شابات حزب الأحرار، و على الخصوص يافعة محظوظة علموها كيف تتقن التهكم و كثيراً من البراءة المصطنعة لحماية ذوي المصالح الكبرى.
و يستمر مسلسل الاستهتار مع ثان حزب في الحكومة، وافق على كل السياسات و القرارات التي أضرت بالقوة الشرائية للمواطنين، و يحرص من يقال انه ” القائد القادم” على تذكر ما تبقى في ذاكرته من التعبيرات اليسارية.
و لا تستثني العبارات الهابطة كلمات تتكلم عن ” الكذاب و المنافق و الإرهابي و المتهرب و الجاهل و الغدار و المرتشي و الامي و غير المؤهل و المدافع على ترشيح أسرته، و المؤثر على قرارات صفقات كبرى و المدافع على قيادات حزبه المخلة بقوانين التعمير، و ذلك الذي يهاجم مؤسسات الحكامة و الرقابة كبنك المغرب و مجلس المنافسة و مجلس محاربة الرشوة و غيرها… و لا يتميز كل الأحزاب بالابتعاد عن الرداءة التي شملت الجميع.
أصبح الصراع حيويا بين الأحزاب، و أصبح استخدام كل أنواع التحقير و الاستفزاز مباحا.
عمت مظاهر الرقص السياسي مشهد السياسة في بلادنا حتى كاد الرقص أن يكون خطابا سياسيا.
و لا يمكن أن نستثني حزبا من المهزلة الكبرى التي أصابتهم في مقتل.
لا أظن أن زعماء ماضينا المجيد كانوا سيرقصون لمجرد حضور مهرجان خطابي.
فالرقص حتى الرقص أصبح تعبيرا على قبول مطالب سكان إقليم أو مدينة أو مركز شبه حضري.
تغنى وزير ضعيف الخطاب و التكوين بأغنية شعبية بليدة أنه ” مهبول” ، فتمت ترقيته إلى منصب وزاري.
و أصبح بعض الموظفين الصغار زعماء في حزب ” بنت الصالحين”.
و لا نعرف في مدينة مراكش من الصالحين إلا ” سبعة رجال” .
و نترك حرية وصف ” الصالحين” من العائلات لمن عاشوا خارج الحضرة المراكشية قبل عشرات السنين.
سوف تتراجع مستويات الخطابات السياسية في ظل ما تمت مراكمته خلال السنين الأخيرة.
حاولت كثير من الكائنات الانتخابية إختيار لغة الكلام التي تنتجها الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها كثير من الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود. ”
غدا سيتوجه البرلماني الذي اشترى تزكية بملايين الدراهم، و الذي صرف أكثر منها خلال الحملة الانتخابية، إلى رئيس جلسة برلمانية بسؤال ” مدفوع الاجر ” شكله ” شكرا للخوادري الرئيس على عرفانه بكرمي السابق ” ، و أتوجه” لصديقي الوزير الذي عاش معي صعوبة التنقل و تكلفة السندويتشات خلال الحملة الانتخابية. ”
و سوف يعترف بكل ما بدلته من جهد لاستخدم قاموس السب و الشتم لكل من اقترب رئيس الحزب ، أو تجرا على شخصه المحترم بأية إشارة غير لائقة.
و لهذا اشتعلت نار التنافس بين الشباب الذي فطن إلى أهمية الأحزاب للوصول إلى وضعية اجتماعية مريحة.
و قد نجحت كثير من الخطابات المشحونة بعبارات القدح و التجريح و استهداف الاشخاص في ترقية أصحابها إلى مراتب متقدمة في كثير من الأحزاب.
و تواصلت سبل التجذر الحزبي إلى عدة زيجات كبيرة بين الأسر التي تتجاوز الحدود الأسرية لتحافظ على المصالح المشتركة.
و لهذا النوع من العلاقات تأثير على القرار السياسي و لعلاقات البعض بالقرب أو بالبعد من علاقة مع ضريح لا زال حاضرا في علاقات الدولة بالزوايا و الأضرحة.
و لهذا هذا علاقة بقاموس الخطابات السياسية التي لا زالت في منزلق خطير تحدى كل خطوط الشعبوية .
و لا زالت ظروف و أسباب المنزلقات الخطابية تسهل ولوج كثير من اللقطاء السياسيين إلى تشويه كل خطاب يدافع عن الوطن و عن المصالح الحقيقية للمواطنين.
