عودة إلى البيوت الحزبية… ورفع شعار الكفاءات الانتخابية

سياسي: رشيد لمسلم 

ليس أخطر على الديمقراطية من أن تتحول الانتخابات إلى موسم لتدوير الوجوه بدل تجديد النخب، وأن تصبح التزكية الحزبية مكافأة على القدرة على حصد الأصوات، لا على القدرة على خدمة الوطن.

ففي كل محطة انتخابية، يرتفع منسوب الخطاب السياسي، وتتسابق الأحزاب في إطلاق الوعود، لكن السؤال الذي يظل معلقا في أذهان المغاربة لا يتعلق بما ستقوله الأحزاب، بل بمن ستقدمه لتمثيل الأمة.

ونحن على أبواب استحقاقات 2026، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تغيير الخرائط الانتخابية، وإنما في تغيير العقلية التي تديرها.

فالمغرب الذي يشق طريقه بثبات نحو ترسيخ دولة المؤسسات، ويقود أوراشا اقتصادية واجتماعية واستراتيجية كبرى، لم يعد يحتمل أن تظل المؤسسة التشريعية رهينة حسابات انتخابية ضيقة، أو رهينة منطق “المرشح القادر على الفوز” مهما كانت محدودية كفاءته أو حضوره التشريعي.

لقد آن للأحزاب السياسية أن تعود إلى بيوتها… إلى فضاءات التأطير والتكوين وإنتاج النخب، بعدما تحولت، في نظر كثيرين، إلى مقرات موسمية تُفتح أبوابها قبيل الانتخابات وتُغلق مباشرة بعد إعلان النتائج.

فالحزب السياسي ليس وكالة انتخابية، ولا مكتبا لتوزيع التزكيات، بل مدرسة للديمقراطية، ومشتلا للكفاءات، وجسرا بين الدولة والمجتمع.

وإذا كانت الديمقراطية تُقاس بجودة المؤسسات، فإن جودة المؤسسات تبدأ من جودة من يمثلونها.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم هو: أي برلمان نريد؟

هل نريد مجلسا يكتفي بالتصويت ورفع الأيدي، أم مؤسسة تشريعية تنتج الأفكار، وتناقش القوانين بعمق، وتمارس الرقابة بمسؤولية، وتدافع عن مصالح المواطنين بكفاءة واقتدار؟

لقد كشفت التجارب السابقة أن المال الانتخابي لا يصنع مشرعا، وأن الشعبية العابرة لا تصنع رجل دولة، وأن النفوذ المحلي لا يعوض غياب الرؤية السياسية.

كما أثبتت أن البرلمان ليس فضاء للاستعراض أو الوجاهة الاجتماعية، بل مؤسسة دستورية تُصاغ داخلها القوانين التي تمس حياة ملايين المغاربة.

ولعل أكبر أخطاء الممارسة الحزبية خلال العقود الماضية أنها اختزلت مفهوم “المرشح القوي” في من يستطيع ضمان المقعد، لا في من يستطيع تحمل مسؤولية المقعد.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي؛ لأن المقعد البرلماني ليس غنيمة انتخابية، بل أمانة دستورية وسياسية وأخلاقية.

إن استعادة الثقة في العمل السياسي لن تتحقق بحملات تواصلية أكثر احترافية، ولا بشعارات أكثر جاذبية، وإنما بقرار شجاع تتخذه الأحزاب قبل أي أحد آخر: رفع شعار “الكفاءات الانتخابية” بدل “القدرات الانتخابية”.

فالكفاءة الانتخابية ليست لقبا أكاديميا يُعلق على الجدران، ولا رصيدا ماليا يُستثمر في الحملات، بل هي مزيج من النزاهة، والخبرة، والثقافة السياسية، والقدرة على التشريع، والكفاءة في مراقبة العمل الحكومي، والإحساس العميق بقضايا المجتمع، والقدرة على الإنصات للمواطنين قبل مخاطبتهم.

لقد تغير المغرب… وتغير معه المواطن المغربي.

لم يعد الناخب يكتفي بالشعارات الرنانة، ولا بالخطابات العاطفية، بل أصبح أكثر قدرة على التمييز بين من يحمل مشروعا ومن يحمل طموحا شخصيا، بين من يدخل السياسة لخدمة الوطن، ومن يجعلها مجرد وسيلة للوجاهة أو النفوذ.

إن الأحزاب التي ستواصل إعادة إنتاج النخب نفسها، بالمنطق نفسه، ستكتشف أن أزمة الثقة لا تُحل بتغيير الشعارات، وإنما بتغيير المعايير.

أما الأحزاب التي ستفتح أبوابها للكفاءات الحقيقية، وللشباب المؤهل، وللنساء القادرات على الإسهام في صناعة القرار، وللأطر التي راكمت خبرة في تدبير الشأن العام، فإنها لن تكسب فقط أصوات الناخبين، بل ستكسب احترامهم.

اليوم، لم يعد المغرب في حاجة إلى برلمان يواكب الأحداث بعد وقوعها، بل إلى برلمان يصنع المستقبل، ويقرأ التحولات، ويشرّع بعين على تحديات الداخل، وأخرى على رهانات العالم.

فالاستحقاقات المقبلة ليست مجرد محطة انتخابية، بل امتحان سياسي وأخلاقي للأحزاب، واختبار حقيقي لمدى قدرتها على الارتقاء بالممارسة الديمقراطية.

وقبل أن تنطلق الحملات، وقبل أن تُرفع اللافتات وتُلقى الخطب، يبقى السؤال الذي ينتظر المغاربة جوابه في صمت:

هل ستعود الأحزاب فعلا إلى بيوتها الحزبية لتصنع النخب، أم ستعود فقط إلى دفاترها الانتخابية لتوزيع التزكيات؟

بين السؤال والجواب تقف لوائح الترشيحات… فهي وحدها التي ستكشف إن كانت الأحزاب قد اختارت الانتصار للوطن، أم الاكتفاء بالانتصار في الانتخابات.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*