سبتة والهجرة: حين يصبح الحلم الأوروبي بحثاً عن الحريات الفردية والاستقلالية الحقيقية.. حان وقت مراجعة القانون الجنائي وتوسيع مجال الحريات
كتبتها: ريما لبلايلي- خبيرة دولية في شؤون الهجرة واللجوء
في محاولة لفهم أزمة سبتة الأخيرة وصور الأعداد الغفيرة لشباب وشابات في مقتبل العمر يحاولون الوصول باستماتة إلى ضفة الحلم الأوربي، يصير من الصعب الاكتفاء بالتفسيرات الكلاسيكية المتاحة والمتعلقة بالهشاشة الاقتصادية أو محاولة البحث عن فرص عمل.
ويصير سؤال ما وراء الوضعية الاقتصادية أكثر جدية وعمقا: ما الذي يدفع شاباً، وأحياناً قاصراً، إلى المخاطرة بحياته من أجل الوصول إلى أوروبا، حتى حين لا يضمن فيها بالضرورة حياة مادية أفضل بكثير؟
لا شك أن البطالة والفقر وغياب الفرص عوامل أساسية. فقد بلغ معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة نحو 36.7 في المائة سنة 2024، فيما يوجد نحو ثلث الشباب بين 15 و29 سنة خارج التعليم والعمل والتكوين، وفق معطيات رسمية. لكن الاقتصاد وحده لا يفسر كل شيء.
إن أوروبا قبل أن تكون حدودا جغرافية فهي فكرة، وبالنسبة إلى كثير من الشباب، لم تعد أوروبا مجرد مكان للعمل، بل أصبحت فكرة مرتبطة بالاستقلال والاختيار والقدرة على بناء حياة شخصية بعيداً عن الرقابة الاجتماعية.
لا يعني ذلك أن أوروبا جنة أو أن حياة المهاجرين فيها سهلة. فهناك صعوبات السكن والعمل والاندماج والتمييز العنصري. غير أن الصورة المتخيلة لأوروبا تحولت إلى قوة جذب قوية، باتت أحياناً أقوى حتى من الخوف من المجهول.
وقد أظهرت أزمة سبتة حجم هذا الحلم، خصوصاً لدى القاصرين الذين يتركون المدرسة والأسرة بحثاً عن مستقبل مختلف. قد تكون دوافعهم اقتصادية، أو مرتبطة بتأثير شبكات التواصل، لكنها قد تعكس أيضاً رغبة في امتلاك القرار والشعور بأن المستقبل مفتوح. وخصوصا في ضوء المعطيات الميدانية التي تثبت أن عددا كبيرا من المهاجرين لم يكونوا من الطبقات الأكثر هشاشة اقتصاديا.
إذا كان المغرب يريد من شبابه البقاء والمساهمة في بناء البلاد، فلا يكفي الحديث عن النمو الاقتصادي. يجب أن يشعر الشباب أيضاً بأن بلدهم يتقدم في مجال الحريات والكرامة والاستقلال الفردي.
فالشباب لا يريدون وظيفة فقط، بل يريدون أفقاً. ولا يبحثون عن دخل فحسب، بل عن حياة يشعرون فيها بالاحترام والقدرة على الاختيار، وهنا بيت القصيد. فكيف لشبابنا أن يعيشوا حياة يشعرون فيها بأنهم مواطنين تحترم الدولة ذكاءهم واختياراتهم و قاراراتم الشخصية و هم محرومون من ممارسة أبسط حقوقهم الفردية بثقة كاملة ودون وصاية من الدولة بحكم وقوة القانون.
كرّس الدستور المغربي حماية الحياة الخاصة وحرية التنقل والفكر والتعبير، لكن التحدي يظل قائماً عند الانتقال من النص الدستوري إلى القانون الجنائي.
فالقانون الجنائي لا يحدد العقوبات فقط، بل يرسم أيضاً حدود تدخل الدولة في حياة الأفراد. لذلك تبرز الحاجة إلى مراجعة الفصول التي تجرّم بعض الاختيارات الخاصة للراشدين، ومنها استهلاك الخمر والعلاقات الرضائية، متى تمت بالتراضي ومن دون عنف أو استغلال أو مساس بحقوق الغير.
لا يتعلق هذا الطرح بالدفاع عن سلوك معين، بل بطرح سؤال أساسي: ما الذي ينبغي أن يكون أو يعتبر “جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي” في ظل الدولة الحديثة؟
ينبغي أن يركز القانون الجنائي على حماية القاصرين وتجريم الاغتصاب والعنف والاستغلال والاتجار بالبشر والتحرش والابتزاز، وهذا هو المطلوب لأن هذه الممارسات يكون فيها طرف هو الضحية، لا أن يركز على معاقبة الاختيارات الخاصة بين راشدين لا وجود لضحية فيها.
إن مراجعة هذه المقتضيات لا تعني الفوضى أو إلغاء المسؤولية، بل تعني التمييز بين الجريمة والاختلاف، وبين الاعتداء والاختيار، مع تنظيم واضح للأنشطة التي قد تترتب عنها مخاطر صحية أو اجتماعية.
لقد تعامل المغرب طويلاً مع الهجرة غير النظامية بمنطق الردع: مراقبة الحدود، محاربة شبكات التهريب، والتحذير من مخاطر الطريق. وهي إجراءات ضرورية، غير أنها لا تكفي. فيمكن منع شاب من الوصول إلى الحدود، لكن يصعب منع فكرة الهجرة من ذهنه إذا كان يشعر بأن مستقبله مغلق لأن حقوقه ناقصة و حريته داخل بلده مقيدة.
المعركة الحقيقية ليست على الحدود فقط، بل على الأمل. ومن هنا يصبح الإصلاح الجنائي جزءاً من سياسة الشباب والهجرة والتحديث. فالدولة التي توسع مجال الحرية، وتحمي الحياة الخاصة، وتقلل من التجريم غير الضروري، ترسل رسالة قوية إلى الأجيال الجديدة: هذا بلدكم، وهذه حياتكم، والدولة تثق في قدرتكم على الاختيار وتحمل المسؤولية.
إن اختزال أزمة سبتة في أزمة حدود أو هجرة أو معلومات مضللة يظل ناقصاً، لأنها أيضاً أزمة أفق.
حين يقارن شاب بين المغرب وأوروبا، فهو لا يقارن فقط بين الأجور ومستويات العيش، بل بين نمطين من الحياة، وبين مقدار الحرية التي يشعر بها في بناء مستقبله وحياته الخاصة.
ولمواجهة هذا التحدي، لا يكفي أن نقول للشباب إن المغرب يتقدم. بل يجب أن يروا و يلمسوا ذلك في مدرسة جيدة، وجامعة منتجة، وسوق عمل منصف، ومجال عام يحترم عقولهم، وقانون يحميهم من الاعتداء ولا يتحول إلى وصاية غير ضرورية على حياتهم الخاصة.
الإصلاح الجنائي ليس مجرد تعديل للعقوبات، بل هو سؤال حول الدولة التي نريدها، وحول الثقة التي نضعها في شبابنا.
فالرسالة الأقوى ليست أن أوروبا ليست جنة، بل هي أن مستقبل الشباب في المغرب يمكن أن يكون جديرا بأن يعاش.
