صباح الخير أيتها الرياضيات…

صباح الخير أيتها الرياضيات

 كتبها: الإعلامي أحمد الدافري

عندما ناقشت هنا أمس محتوى تدوينة كتبها السيد محمد الفايد، فقد كان ذلك من منطلق تأملي، وليس دفاعا عنه في أية معركة من المعارك التي يخوضها. 

فالذي يقرر خوض المعارك ينبغي ألا يعول على من يدافع عنه. 

شيء آخر. 

الحياة بدون نقاش وسجال وجدال ليست حياة. 

بل هي موت نهائي وانسحاب من الوجود. 

غير أن كل أسلوب في الجدل والنقاش والسجال إن لم يكن مؤطرا بالعقل والأخلاق، وإن اقترن بنزعات التجبر والقمع والعجرفة والعنف وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، قد يؤدي إلى الصدام المجاني الذي لن يترتب عنه أي ربح ملموس. 

السيد محمد الفايد شخصية تمارس حضورها في النقاش والسجال والجدل عبر شبكات التواصل الاجتماعي. 

وفي هذه الشبكات لا توجد شخصية واحدة فقط تسعى لإبراز حضورها وفق الأسلوب الذي اختارته، وتعمل على تلبية رغبتها في الظهور، وتبتغي أن تكون ذات تأثير.

فالفضاء الرقمي مليء بالبشر. 

والكائنات البشرية بطبعها تنساق وراء نزعات داخلية بهدف إثبات الوجود، منها الفطري المشترك، ومنها ما يميزها عن بعضها وفق ما هو وراثي وثقافي وتربوي. 

 

السيد محمد الفايد حين قرر أن يدخل معارك حول العقيدة والتاريخ والتأويل، وزع الأصفار في مادة الرياضيات على الذين لدبهم قناعات عقيدية معينة استمدوها مما فهموه من الدين، وهنا ربما يكون قد وقع في خلط بين أمرين مختلفين. 

فالرياضيات شيء والقناعة الدينية شيء آخر. 

ويمكن توضيح ذلك باستحضار اسم عالم الرياضيات الهندي الهندوسي

Srinivasa Ramanujan

 سرينيفاسا رامانوجان،

 الذي عاش فقط في هذه الدنيا 32 سنة في فترة الهند البريطانية قبل أن يموت فوق فراش المرض، وهو واحد من عباقرة الرياضيات، لديه مساهمات أحدثت ثورة في نظرية الأعداد، Théorie des nombres، وفي السلاسل اللانهائية Les séries infinies، وفي الكسور المستمرة Les fractions continues.

 

 عالم الرياضيات سرينيفاسا رامانوجان كان هندوسيا متدينا جدا، وكان ينسب عبقريته الرياضية وإلهامه بالمعادلات المعقدة إلى عقيدته وإيمانه.

 

وهو على فراش الموت سنة 1920، كتب رسالة أخيرة لزميله عالم الرياضيات الإنجليزي غودفري هارولد هاردي Godfrey Harold Hardy وضع فيها دالات رياضية Fonctions mathématiques غامضة أسماها 

 

“ثيطا الوهمية” 

Les fonctions thêta simulées 

 

لم يفهم علماء الرياضيات ماهيتها ولا كيف تعمل إلا في سنة 2002 عبر أطروحة دكتوراه لعالم الرياضيات الهولندي ساندر زويغرز Sander Zwegers، قدمها في جامعة أوتريخت،.

والأكثر إدهاشا وغرابة أن هذه الدالات الرياضية تُستخدم الآن في الفيزياء النظرية الحديثة لفهم سلوك الثقوب السوداء ونظرية الأوتار الفائقة، وهي أشياء لم يكن لها وجود علمي في زمن رامانوجان.

 

الهندوس يقدسون البقرة وهي بالنسبة إليهم رمز أسمى للأمومة والعطاء والحياة، وهي في ثقافتهم كائن يمنح الغذاء ويمثل الرأفة والوئام مع الطبيعة، ويمنعون إيذاءها أو ذبحها، ويُعتبر التعامل معها بتبجيل جزءاً من التقرب الروحي في عقيدتهم.

 

وعالم الرياضيات الهندي العبقري هذا الذي كان يقدس للمظاهر الثقافية والدينية الهندوسية، بما فيها الأبقار والالتزام الصارم بالنظام الغذائي النباتي، التي قد يراها البعض ممارسات دينية غير عقلانية، كان ينسب إلهامه ومعادلاته الرياضية المعقدة إلى إلهة الأسرة ناماجيري ثايار Namagiri Thayar في العقيدة الهندوسية، وكان يقول إن هذه الإلهة تكتب له المعادلات الرياضية على لسانه أثناء نومه أو في حالات التأمل، وكان يردد مقولة شهيرة: 

“المعادلة لا معنى لها بالنسبة لي إن لم تعبر عن فكرة من أفكار الإله”.

 صديق لي في الرباط، في فترة العنفوان، طالب من الشرق المغربي، كان متفوقا في الرياضيات جدا. 

وكان متدينا جدا. 

وكنا نناقش أحيانا بعض قضايا التاريخ.

أتذكر أنه هو أول من أخبرني، وهو مقتنع بذلك، بحكاية جاءت في كتاب جامع البيان للإمام الطبري، هي حكاية النمرود الذي صعد إلى السماء لقتل الله فأطلق سهما عاد إليه ملطخا بالدم فاعتقد أنه قتل الله، لكنه كان قد أصاب حوتا كان يسبح في نهر موجود في السماء.

 

هذا الصديق الذي انقطعت السبل بيننا بعد التخرج، كان يؤمن بأن هذه الحكاية هي واقعة حقيقية مذكورة في التراث الديني التفسيري والتاريخي.

وهو لم يكن يحصل قط على صفر في الرياضيات. 

بل كانت لديه قدرة فائقة على حل المسائل الحسابية الذهنية وعلى تفكيك الخوارزميات. 

وهذا ما كان

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*