حين فتحت عيني… كانت يدٌ تمسك يدي

حين فتحت عيني… كانت يدٌ تمسك يدي
الجزء الثاني
من عكاشة إلى ابن رشد… رحلة بين الألم والحياة

بقلمي وواقعي: عافية صابر

لم أكن أعرف، وأنا أعيش أيامي داخل مركز تهذيب وإعادة الإدماج عكاشة بعين السبع، أن جسدي كان يخوض معركة صامتة، وأنني سأجد نفسي بعد أيام قليلة على سرير في مستشفى ابن رشد، بين الحياة والموت.
ولأنني أكتب ما عشته كما عشته، لا كما قد يتخيله الآخرون، فإنني أقول إن إقامتي داخل المؤسسة لم تكن كلها قسوة كما قد يعتقد البعض.
لقد عوملت معاملة جيدة، وكانت العناية بنا محترمة، والطعام يقدم بانتظام، وكان التعامل في كثير من المواقف يتسم بالاحترام.

حتى المسؤول الأمني الذي كان له علاقة بموضوع القراءة والكتب كان في غاية الأدب والاحترام معي.
ورغم أنني كنت معتقلة، فإنني لم أتوقف عن ممارسة ما يشبه رسالتي.
كنت أكتب.
كنت أحكي.
كنت أستمع.
كنت أساعد.
كنت أجلس مع النساء وأسمع قصصهن، وأحاول أن أزرع في نفوسهن شيئًا من الأمل.
كنت أؤمن أن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في الخطأ الذي أوصله إلى السجن، وأن وراء كل وجه قصة، ووراء كل صمت وجعًا، ووراء كل امرأة حكاية قد لا يعرفها أحد.
لكنني لم أكن أعرف أن الدور سيتغير.
كنت أنا من يستمع إلى آلامهن…
وسأصبح أنا من يحتاج إلى من يستمع إلى أنينه.
النزيف الذي أخذ مني قوتي
بدأ النزيف.
في البداية حاولت أن أتحمل.
لكن النزيف لم يتوقف.
بل أصبح شديدًا ومستمرًا، وبدأ جسدي يفقد قوته يومًا بعد يوم.
كنت أشعر بأن شيئًا مني يتسرب مع كل لحظة.
ضعف.
إرهاق.
دوخة.
خوف لا أريد أن أعترف به.
كنت أحاول أن أبدو قوية، كما اعتدت دائمًا.
لكن للجسد منطقه الخاص.
وحين يصل الإنسان إلى حد معين، لا يعود قادرًا على خداع جسده.
أصبحت حالتي تستدعي نقلي إلى المستشفى.
وهكذا خرجت من عكاشة تحت الحراسة متجهة إلى مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، قسم النساء.
لم يكن خروجي خروج امرأة ذاهبة إلى المستشفى ثم ستعود إلى بيتها.
كنت لا أزال معتقلة.
وكانت فترة سجني لم تنته بعد.
كان ذلك التفصيل وحده كافيًا ليجعل الرحلة أكثر ثقلًا.
أنا مريضة…
لكنني ما زلت سجينة.
أخرج من المؤسسة لأن جسدي لم يعد يحتمل، لا لأن باب الحرية فتح لي.
مستشفى ابن رشد
وصلت إلى مستشفى ابن رشد.
دخلت قسم النساء.
وهناك بدأت مرحلة جديدة من حكايتي.
_ رجلان عند باب غرفة العمليات… واللجوء الذي لم يغوِني

وأنا في طريقي إلى غرفة العمليات، كانت الممرضة تدفع سريري في أحد ممرات المستشفى، وأنا في حالة صحية صعبة، مثقلة بالمرض والنزيف والخوف، لا أعرف ماذا تخبئ لي الدقائق القادمة.
كنت متجهة إلى غرفة قد أخرج منها وقد أعود إلى الحياة من جديد، وقد لا أعود.
وفي ذلك الممر، ظهر رجلان.
وقف أحدهما إلى جانب السرير من الجهة اليمنى، ووقف الثاني إلى الجهة اليسرى، وكأنهما جاءا في اللحظة الأخيرة، قبل أن أغيب خلف باب غرفة العمليات، ليقولا لي أمرًا لم أكن أتوقع سماعه في تلك اللحظة.
قالا لي إنهما جاءا من أجل مساعدتي على اللجوء.
تحدثا عن بلجيكا وإيطاليا، وقالا لي، بمعنى واضح، إن الأمر ممكن إذا وافقت على طلب اللجوء، وإنهما مستعدان لمساعدتي في ذلك.
كان حديثهما يجري وأنا مستلقية على السرير، والممرضة تدفعني نحو غرفة العمليات.
كان المشهد غريبًا إلى درجة يصعب وصفها.
أنا أفكر في العملية.
في صحتي.
في حياتي.
في احتمال أن لا أعود من تلك الغرفة…
وهما يتحدثان معي عن بلد آخر، وعن اللجوء، وعن بداية حياة بعيدة عن المغرب.
كان بإمكان الإنسان، في مثل تلك اللحظة، أن يتعلق بأي باب يفتح أمامه.
كان يمكن للخوف أن يجعلني أتشبث بأي وعد بالخروج، وبأي مكان يُقال لي إنه أكثر راحة أو أمانًا.
لكنني، بصراحة، لم أعط الأمر تلك الأهمية.
استمعت إليهما، وفهمت ما يعرضانه عليّ، لكن الأمر لم يهزني كما ربما توقعا.
لم أشعر بأن بلجيكا أو إيطاليا يمكن أن تكونا الحل الذي أبحث عنه.
ولم أجد في داخلي ذلك الشغف بالرحيل الذي كانا يتحدثان عنه.
كان ذهني في مكان آخر.
كان جزء مني مشغولًا بالعملية التي تنتظرني.
وكان جزء آخر، أعمق من كل شيء، متعلقًا بشيء لا تستطيع أي دولة أن تمنحه لي:
وطني.
أنا ابنة هذا البلد.
وهذا الوطن ليس بالنسبة إلي مجرد مكان يمكن استبداله بمكان آخر.
إنه الذاكرة التي عشت فيها.
هو الأرض التي عرفت فوقها طفولتي.
هو المدرسة التي وقفت فيها معلمة.
هو التلاميذ الذين تركوا في حياتي أثرًا وتركت في حياتهم أثرًا.
هو اللغة التي أكتب بها.
هو الشوارع والوجوه والأيام.
هو كل ما صنعني امرأة كما أنا اليوم.
قد أختلف.
قد أتألم.
قد أمر بمحنة.
قد أشعر في لحظة من اللحظات أن الدنيا ضاقت بي…
لكنني لا أستطيع أن أتعامل مع الوطن كأنه حقيبة أضعها وأغادر.
الوطن يسكن الإنسان قبل أن يسكن الإنسان الوطن.
ولهذا، وأنا في طريقي إلى غرفة العمليات، والرجلان يقفان عن يميني ويساري، كان حديثهما عن اللجوء يمر أمامي وكأنه شيء بعيد.
لم أتشبث به.
لم أفتح له بابًا في قلبي.
لم أجعل منه مشروعًا.
ولم أسمح للخوف الذي كنت أعيشه في تلك اللحظة أن يدفعني إلى اتخاذ قرار لم أكن أريده.
كنت ذاهبة إلى غرفة العمليات، وربما كنت أقرب إلى الموت مما كنت أتصور، ومع ذلك كان داخلي يقول شيئًا واحدًا:
إن عدت إلى الحياة، سأعود إلى وطني.
لم أكن أعرف وقتها ماذا سيحدث بعد العملية.
لم أكن أعرف هل سأعيش، ولا كم سأبقى في المستشفى، ولا كيف ستكون الأيام التالية.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
لم أكن أريد أن أقتلع جذوري.
وهكذا، في ذلك الممر الأبيض، وبين رجلين يتحدثان عن بلجيكا وإيطاليا، وممرضة تدفع سريري نحو غرفة العمليات، كنت أشعر أن هناك مفارقة غريبة تحيط بي:
جسدي كان يستعد لمعركة من أجل البقاء…
وهما كانا يعرضان عليّ طريقًا للخروج…
أما قلبي، فكان متمسكًا بالأرض التي أنتمي إليها.
ثم انفتح باب غرفة العمليات.
وتوقفت الكلمات.
دخلت إلى الداخل.
وغاب كل شيء خلفي.
لكن فكرة واحدة بقيت معي، حتى وأنا أقترب من البنج:
قد يأخذ مني المرض قوتي، وقد يأخذ مني السجن حريتي، لكنني لا أريد أن يأخذ مني جذوري.
مكثت في المستشفى أكثر من عشرين يومًا.
أكثر من عشرين يومًا وأنا أعيش بين الألم، والفحوصات، والعلاج، والانتظار.
كان النزيف شديدًا ومتواصلًا، وكان جسدي قد فقد الكثير من قوته.
هناك، اكتشفت معنى آخر للضعف.
في الخارج كنت امرأة تتحرك وتعمل وتكتب وتقرر وتواجه.
أما هنا، فقد أصبحت مستلقية على سرير.
الآخرون هم الذين يقتربون مني.
هم الذين يسألون عن حالتي.
هم الذين يراقبون صحتي.
هم الذين يساعدونني عندما أحتاج.
وأنا لا أملك إلا أن أترك نفسي بين أيديهم.
كان الأطباء والممرضات يعتنون بي، وكنت أشعر بامتنان لكل يد تمتد إليّ.
لكن في داخلي كان سؤال لا يفارقني:
ماذا سيحدث لي؟
كنت أعرف أن الأمر لم يعد بسيطًا.
ثم جاء اليوم الذي أصبحت فيه العملية ضرورة.
بين الحياة والموت
دخلت غرفة العمليات في حالة حرجة.
كان النزيف قد أنهك جسدي.
وكانت العملية لحظة فاصلة.
لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني بعدها.
لم أكن أعرف إن كنت سأفتح عيني.
في تلك اللحظة، يصبح الإنسان صغيرًا أمام الحياة.
كل ما يملكه هو الأمل.
ثم غاب كل شيء.
الضوء.
الأصوات.
الوجوه.
دخلت في غيبوبة البنج.
وغبت عن العالم.
لا أعرف كم مر من الوقت.
ولا ماذا حدث حولي.
ثم…
بدأت أعود.
الصدمة بعد البنج
لم تكن إفاقة عادية.
فتحت عيني بصعوبة.
كان كل شيء ضبابيًا.
سمعت أصواتًا بعيدة.
شعرت بثقل في جسدي.
ألم.
ضعف.
رائحة المستشفى.
حاولت أن أفهم أين أنا.
وفي البداية لم أستطع.
ثم بدأت الحقيقة تعود إليّ ببطء.
أنا في المستشفى.
لقد أجريت لي عملية.
كنت في حالة خطيرة.
ثم عادت الحقيقة الأشد قسوة:
أنا معتقلة.
كانت هذه الكلمة مؤلمة بطريقة مختلفة.
لم أكن قد استيقظت من نوم عادي.
كنت قد عدت من عملية وأنا بين الحياة والموت، وعندما عاد إليّ الوعي عاد معه كل شيء.
السجن.
عكاشة.
الحراسة.
المدة التي لم تنته.
والحقيقة التي تقول إن المستشفى ليس بيتًا، وإن شفائي يعني في النهاية أن أعود إلى المكان الذي جئت منه.
شعرت بالاختناق.
كنت أريد أن أبكي.
لكن جسدي لم يكن يملك القوة حتى للبكاء.
أصبحت أستوعب بالتدريج أنني نجوت من الموت، لكنني لم أخرج من محنتي.
نجوت من غرفة العمليات…
لكنني ما زلت سجينة.
وهنا اختلطت المشاعر في داخلي.
الخوف.
الألم.
الحزن.
الامتنان.
والرغبة العارمة في الحياة.
كنت أفكر:
هل كنت قريبة إلى هذا الحد من الموت؟
لم أكن أعرف.
ولا أريد أن أعرف.
كل ما كنت أعرفه أنني فتحت عيني من جديد.
وأنني ما زلت هنا.
ثم شعرت بيد تمسك يدي.
اليد التي لم أعرف صاحبتها
كانت هناك امرأة تجلس إلى جواري.
يدها في يدي.
كانت هادئة.
وكان في وجودها شيء يبعث على الطمأنينة.
لكنني لم أعرفها.
نظرت إليها طويلًا.
كانت ذاكرتي لا تزال مثقلة بالبنج.
قلت بصوت ضعيف:
من أنتِ؟
لم أكن أعرف أن سؤالي هذا سيعيدني سنوات إلى الوراء.
بدأت تذكرني بنفسها.
كلمات قليلة.
إشارات.
اسم المدرسة.
مدرسة القدس الشريف بالدار البيضاء.
وفجأة…
بدأت الذاكرة تستيقظ.
عرفتها.
كانت واحدة من تلميذاتي.
كانت الفتاة التي جلست يومًا في مقعد تلميذة أمام معلمتها.
وها هي اليوم تجلس إلى جوار سريري طبيبة.
لم أكن أعرف ذلك قبل العملية.
لم أتعرف إليها وأنا في تلك الحالة.
لم أدخل غرفة العمليات وأنا أعرف أن واحدة ممن درستهم في الماضي ستكون جزءًا من هذه اللحظة المصيرية من حياتي.
عرفتها فقط بعد أن أفقت من البنج واستعدت وعيي.
وهنا شعرت بأن الزمن كله انقلب.
أنا التي كنت يومًا أشرح لها.
أنا التي كنت أوجهها.
أنا التي كنت أشجعها.
أنا التي كنت أؤمن أن لكل تلميذ مستقبلًا ينتظره.
ها أنا اليوم مستلقية أمامها، وهي الطبيبة التي تقف إلى جواري.
كنت أنا من يمسك بيدها يومًا وهي تلميذة…
وها هي اليوم تمسك بيدي وأنا مريضة.
أي دائرة أغرب من هذه التي رسمتها الحياة؟
المعلمة التي أصبحت مريضة… والتلميذة التي أصبحت طبيبة
لم يكن التعليم بالنسبة إلي مجرد وظيفة.
كنت أراه رسالة.
كنت أرى في التلميذ مشروع إنسان.
كنت أؤمن أن كلمة من الأستاذ قد تغير حياة طفل.
وأن تشجيعًا صغيرًا قد يمنح إنسانًا الثقة بنفسه.
لكن المعلم لا يعرف دائمًا أين ستذهب كلماته.
ولا يعرف أين ستأخذ الحياة تلاميذه.
أنا لم أكن أعرف أن واحدة من تلميذاتي ستصبح طبيبة.
ولم أكن أعرف أن الحياة ستجمعني بها من جديد بهذه الطريقة.
لم نلتق في مدرسة.
لم تلتق بي وهي تحمل كتبها.
بل التقت بي وأنا على سرير المستشفى.
أنا في أضعف حالاتي.
وهي في موقع من يستطيع أن يساعدني.
وهنا فهمت معنى الأثر.
ما نزرعه في الإنسان لا يختفي.
قد تمر سنوات طويلة.
قد تنسى أنت تفاصيل كثيرة.
لكن بعض الأشياء تبقى في الطرف الآخر.
ثم تعود إليك في اللحظة التي تحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى.
أكثر من عشرين يومًا
استمر وجودي في المستشفى أكثر من عشرين يومًا.
كانت أيامًا طويلة.
مرهقة.
مليئة بالألم والتعب والتفكير.
كنت أستعيد قوتي ببطء.
لكن كل يوم كان يحمل معه شعورًا جديدًا.
مرة أشعر أنني نجوت.
ومرة أتذكر أنني ما زلت معتقلة.
ومرة أشعر بالامتنان للأطباء والممرضات.
ومرة تغلبني الذكريات.
ومرة أفكر في الناس الذين تركتهم خلفي.
وفي وسط ذلك كله، كنت أتعلم درسًا جديدًا عن الحياة:
الإنسان مهما كان قويًا، سيأتي يوم يحتاج فيه إلى الآخرين.
وقد تأتيه المساعدة من المكان الذي لم يكن يتوقعه.
وقد تعود إليه يد من الماضي لتسنده في الحاضر.
التكريم الذي لم أكن أتوقعه
ثم حدث شيء آخر داخل المستشفى.
كان هناك أطباء يعرفون مسيرتي، ويعرفون شيئًا عن حياتي وما قمت به خلال سنوات طويلة.
ومن بينهم أطباء لهم ارتباط بمركز للا سلمى للسرطان.
عرفوا شيئًا عن مساري، وعن حياتي، وعن ما كنت أقوم به.
فقرروا تنظيم حفل تكريم لي داخل المستشفى.
كانت رئيسة القسم حاضرة.
لكن حالتي الصحية لم تكن تسمح لي بالمشي.
كنت ضعيفة جدًا.
ولهذا حملتني الممرضات بأيديهن، ونقلنني إلى قاعة الاجتماعات.
لن أنسى ذلك المشهد.
أنا التي اعتدت أن أتحرك بقوة.
أنا التي اعتدت أن أعمل وأكتب وأتابع وأواجه.
وجدت نفسي محمولة على أيدي الممرضات.
لكنني لم أشعر بالمهانة.
شعرت بشيء آخر.
شعرت أنهن لا يحملن جسدي وحده.
كأنهن يحملن سنوات من حياتي.
يحملن امرأة أنهكها المرض، لكنها لم تتوقف يومًا عن الحلم والعمل.
وفي قاعة الاجتماعات، كان التكريم.
تكريم لمسيرتي.
لحياتي.
ولما كنت أقوم به.
لم تكن تلك اللحظة بالنسبة إلي مجرد احتفال.
كانت لحظة إنسانية عميقة.
في الوقت الذي كنت فيه أشعر أن المرض أخذ مني قوتي، وجدت من يقول لي بطريقة مختلفة:
نحن نرى ما فعلتِه.
وربما يحتاج الإنسان أحيانًا إلى هذه الجملة أكثر مما يحتاج إلى أشياء كثيرة.
واللجوء…
وخلال تلك المرحلة، طُرح أمامي موضوع آخر.
كان هناك رجلان يحاولان إقناعي باللجوء.
كانا يتحدثان معي عن فكرة أن أترك المغرب، وأن أذهب إلى مكان آخر، وأن أبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل ما مررت به.
سمعتهما.
وفهمت ما يقولان.
لكنني لم أعط الموضوع الأهمية التي ربما كانا ينتظرانها.
لم ألاحق الفكرة.
لم أجعلها هدفًا.
لم أبدأ إجراءات.
كانت حياتي في تلك اللحظة مليئة بأشياء أخرى: مرض، عملية، مستشفى، سجن، وعودة إلى الوعي.
لكن الأهم أنني لم أشعر في داخلي أنني أريد اقتلاع نفسي من المغرب.
كنت مرتبطة بهذا الوطن بطريقة لا أستطيع تفسيرها بسهولة.
المغرب بالنسبة إلي ليس مجرد أرض.
هو ذاكرتي.
هو طفولتي.
هو مدرستي.
هو التلاميذ الذين علمتهم.
هو الشوارع التي عشت فيها.
هو اللغة التي أكتب بها.
هو الناس الذين أحببتهم.
هو كل شيء ترك في داخلي أثرًا.
قد يتألم الإنسان في وطنه.
قد يمر فيه بأقسى الظروف.
وقد يختلف مع أشياء كثيرة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قلبه يستطيع أن يتركه.
أنا لم أكن أرى اللجوء خلاصًا.
ربما كان الرجلان يريدان لي مكانًا أكثر أمانًا أو حياة مختلفة، لكنني لم أشعر أنني أستطيع أن أبدأ حياتي بعيدًا عن جذوري.
كانت جذوري أقوى.
ولهذا مر موضوع اللجوء من أمامي…
لكنني لم أتبعه.
العودة
بعد أن تحسنت حالتي، عدت إلى عكاشة.
عدت تحت الحراسة.
فترة سجني لم تكن قد انتهت.
وكان علي أن أعود لأن خروجي إلى المستشفى كان بسبب العلاج، لا لأنهاء فترة السجن.
لكنني عدت إلى المكان نفسه بقلب مختلف.
كنت قد رأيت الموت قريبًا.
عرفت معنى أن ينهك المرض الإنسان.
عرفت معنى أن يفتح عينيه بعد البنج ولا يعرف أين هو.
عرفت معنى أن يستوعب فجأة أنه معتقل.
عرفت معنى أن تحتاج إلى يد أخرى.
وعرفت معنى أن يأتيك الماضي في صورة إنسانة كنت تدرسها ذات يوم.
وعرفت أن التلميذ قد يصبح يومًا سببًا في إنقاذ معلمه.
وعرفت أن هناك أناسًا يرون مسيرتك حتى عندما تكون أنت منشغلة بمقاومة الألم.
وعرفت أيضًا أن الإنسان يستطيع أن يتألم في وطنه، لكنه يظل يحبه.
اليد التي بقيت في ذاكرتي
كلما عدت بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أتذكر المرض وحده.
ولا أتذكر العملية وحدها.
ولا أتذكر السجن وحده.
أتذكر لحظة فتحت فيها عيني.
أتذكر التشوش.
أتذكر الألم.
أتذكر الصدمة عندما استوعبت أنني في المستشفى وأنني ما زلت معتقلة.
أتذكر السؤال الذي خرج من فمي:
من أنتِ؟
وأتذكر اليد التي كانت تمسك يدي.
ثم أتذكر الحقيقة:
كانت تلميذتي.
تلميذة الأمس أصبحت طبيبة اليوم.
والمعلمة التي كانت تمسك بيدها لتشجعها، أصبحت هي نفسها بحاجة إلى من يمسك بيدها.
وهنا أدركت أن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان في حياته ليس ما يملكه.
ليس المال.
ولا الشهرة.
ولا المناصب.
إنما الأثر.
قد تظن أنك كنت فقط تؤدي عملك.
لكن كلمة منك قد تسكن قلب إنسان سنوات.
وقد تظن أن ما أعطيته انتهى بانتهاء اللحظة.
ثم تأتي الحياة لتعيده إليك عندما تكون في أشد الحاجة إليه.
لهذا، عندما أتذكر تلك اليد، أشعر أنها لم تكن مجرد يد طبيبة.
كانت يد الماضي وهي تصل إلى الحاضر.
كانت يد تلميذة الأمس وهي تمسك بيد معلمتها.
وكانت، في أعمق معنى لها، تقول لي:
إن ما زرعته يومًا لم يذهب سدى.
ومن عكاشة إلى ابن رشد…
ومن سرير المستشفى إلى قاعة التكريم…
ومن صدمة الإفاقة إلى لحظة التعرف على تلميذة الأمس…
ومن فكرة اللجوء إلى التمسك بالوطن…
مرت بي أيام جعلتني أرى الحياة بعين أخرى.
أيام علمتني أن الإنسان قد يفقد حريته، لكن لا ينبغي أن يفقد كرامته.
وقد يضعف جسده، لكن روحه تستطيع أن تبقى واقفة.
وقد يقترب من الموت، ثم يعود منه حاملاً معه معنى جديدًا للحياة.
وقد يمد يده إلى العالم فلا يجد أحدًا…
ثم يجد فجأة يدًا لم يكن ينتظرها.
يدًا جاءت من الماضي.
يدًا تحمل ذاكرة المدرسة.
يدًا تحمل سنوات التعليم.
يدًا تحمل معنى الوفاء.
يدًا تمسك يدي… في اللحظة التي فتحت فيها عيني على الحياة من جديد.
وحين عدت إلى السجن، لم أجد أمامي سوى الورق لأضع فيه كل ما عجزت عن قوله. لم أكن أكتب لرغد عن نفسها فقط، بل كنت أكتب لها عني، وعن والدها، وعن إخوتها، وعن جدّيها، وعن العائلة بكل تفاصيلها؛ عن الأيام التي عشناها معًا، وعن الأشياء الصغيرة التي ربما لا يلتفت إليها أحد، لكنها بالنسبة إليَّ كانت جزءًا من حياتنا وذاكرتنا.

كنت أريدها أن تعرف كل شيء، أن تعرف كيف كنت أفكر، ماذا كنت أشعر، ولماذا كنت أتصرف أحيانًا كما كنت أفعل. كنت أكتب لها عن الحب والخوف والندم والاشتياق، عن مواقف العائلة، عن ذكرياتنا، وعن أناس أحببتهم وأناس خذلوني، وعن أشياء كثيرة لم أكن أريد أن تضيع مع مرور الأيام.

كانت رسائلي إليها أشبه بصندوق أضع فيه حياتي كلها، ثم أتركه لها لتفتحه يومًا بعد يوم. لم تكن مجرد رسائل أمٍّ إلى ابنتها، وإنما كانت شهادة امرأة على مرحلة كاملة من حياتها، كتبتها وهي خلف القضبان، لأنني كنت أخشى أن تمر السنوات، وأن تكبر رغد، ثم تبحث يومًا عن إجابات لأسئلة لم أستطع أن أجيب عنها وجهًا لوجه.

ولذلك كنت أكتب…

أكتب لها، وأكتب عن الجميع، وأكتب عن كل شيء. أكتب عن حياتنا كما عشتها، وعن الأشخاص الذين تركوا أثرًا فيها، وعن الذكريات التي بقيت عالقة في داخلي، وعن المشاعر التي لم أجد لها سبيلًا إلى الكلام. كنت أكتب كي أحفظ لها تفاصيل الأيام، وكي أترك بين يديها ما يشرح لها غيابي، ويقرّبها من حقيقتي، ويمنحها ذات يوم فرصة لأن تعرفني كما كنت، لا كما قد تبدو صورتي من بعيد.

وفي الخامس عشر من تشرين الثاني عام 2017، كتبت لها:

15 – 11 – 2017

سامحيني يا حبيبتي، واعذريني أيتها الغالية..

يا شمعة عمري، ويا طفلتي الرائعة…….. يتبع@

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*